أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
379
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وحضور الموت كناية عن حضور أسبابه ، ومقدماته ، قال الشاعر : 739 - وقل لهم بادروا بالعذر والتمسوا * قولا يبرّئكم إنّي أنا الموت « 1 » أي : أنا سببه والمشهور نصب يعقوب ورفع « الموت » ، قدم المفعول اهتماما ، وقرأ « 2 » بعضهم بالعكس ، وقرئ « 3 » « حضر » بكسر الضاد قالوا : والمضارع يحضر بالضم شاذ ، وكأنه من التداخل وقد تقدم . قوله : « إذ قال » « إذ » هذه فيها قولان : أحدهما : بدل من الأولى ، والعامل فيها : إما العامل في إذ الأولى إن قلنا إن البدل لا على نية تكرار العامل ، أو عامل مضمر إن قلنا بذلك . الثاني : أنها ظرف لحضر . قوله : ما تَعْبُدُونَ ؟ « ما » اسم استفهام في محل نصب ، لأنه مفعول مقدم بتعبدون ، وهو واجب التقديم ، لأن له صدر الكلام ، وأتى ب « ما » دون « من » لأحد أربعة معان : أحدها : أن « ما » للمبهم أمره ، فإذا علم فرق ب « ما » و « من » ، قال الزمخشري : وكفاك دليلا قول العلماء « من لما يعقل » . الثاني : أنها سؤال عن صفة المعبود ، قال الزمخشري : كما تقول : ما زيد ؟ تريد : أفقيه أم طبيب ، أم غير ذلك من الصفات . الثالث : أن المعبودات ذلك الوقت كانت غير عقلاء كالأوثان والأصنام والشمس والقمر ، فاستفهم ب « ما » التي لغير العاقل ، فعرف بنوه ما أراد ، فأجابوه بالحق . الرابع : أنه اختبرهم وامتحنهم فسألهم ب « ما » دون « من » ، لئلا يطرق لهم الاهتداء ، فيكون كالتلقين لهم ، ومقصوده الاختبار . وقوله : مِنْ بَعْدِي أي : بعد موتي . قوله : وَإِلهَ آبائِكَ أعاد ذكر الإله لئلا يعطف على الضمير المجرور دون إعادة الجار ، والجمهور على « آبائك » . وقرأ الحسن ويحيى وأبو رجاء « أبيك » ، وقرأ أبي : « وإله إبراهيم » فأسقط « آبائك » فأما قراءة الجمهور فواضحة ، وفي « إبراهيم » وما بعده حينئذ ثلاثة أوجه : أحدها : أنه بدل . والثاني : أنه عطف بيان ، ومعنى البدلية فيه التفصيل . الثالث : أنه منصوب بإضمار « أعني » فالفتحة على هذا علامة للنصب ، وعلى القولين قبله علامة للجر ، لعدم
--> ( 1 ) البيت لرويشد بن كثير انظر الحماسة ( 1 / 102 ) ، القرطبي ( 2 / 258 ) . ( 2 ) انظر مختصر الشواذ ص ( 10 ) . ( 3 ) انظر مختصر الشواذ ص ( 9 ) .