أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

371

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

فصيح ، ولا يجوز أن يكون « أجعل » المقدرة بمعنى أخلق وأوجد فيتعدى لواحد ويتعلق « من ذريتنا » به ويكون « أمة » مفعولا به ، لأنه إن كان من عطف المفردات لزم التشريك في العامل الأول ، والعامل الأول ليس معناه « اخلق » إنما معناه صير ، وإن كان من عطف الجمل فلا يحذف إلا ما دل عليه المنطوق ، والمنطوق ليس بمعنى الخلق فكذلك المحذوف ، ألا تراهم منعوا في قوله : هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ « 1 » أن يكون التقدير : وملائكته يصلون لاختلاف مدلول الصلاتين ، وتأولوا ذلك على قدر مشترك بينهما ، وقوله « لك » فيه الوجهان المتقدمان بعد « مسلمين » . قوله : وَأَرِنا مَناسِكَنا الظاهر أن الرؤية هنا بصرية ، فرأى في الأصل يتعدى لواحد ، فلما دخلت همزة النقل أكسبتها مفعولا ثانيا ف « نا » مفعولا أول و « مناسكنا » مفعول ثان ، وأجاز الزمخشري أن تكون منقولة من « رأي » بمعنى عرف ، فتتعدى أيضا لاثنين كما تقدم ، وأجاز قزم فيما حكاه ابن عطية أنها هنا قلبية ، والقلبية قبل النقل تتعدى لاثنين كقوله : 727 - وإنّا لقوم لا نرى القتل سبّة * إذا ما رأته عامر وسلول « 2 » وقال الكميت : 728 - بأيّ كتاب أم بأيّة سنّة * ترى حبّهم عارا عليّ وتحسب « 3 » وقال ابن عطية : ويلزم قائله أن يتعدى الفعل منه إلى ثلاثة ، وينفصل عنه بأنه يوجد معدى بالهمزة من رؤية القلب كغير المعدى ، وأنشد قول حطائط بن يعفر : 729 - أريني جوادا مات هزلا لأنّني * أرى ما ترين أو بخيلا مخلّدا « 4 » يعني : أنه قد تعدت « علم » القلبية إلى اثنين ، سواء كانت مجردة من الهمزة أم لا ، وحينئذ يشبه أن يكون ما جاء فيه فعل وأفعل بمعنى وهو غريب ، ولكن جعله بيت حطائط من رؤية القلب ممنوع ، بل معناه من رؤية البصر ، ألا ترى أن قوله « جوادا مات » من متعلقات البصر ، فيحتاج في إثبات تعدى « أعلم » القلبية إلى اثنين إلى دليل وقال بعضهم « 5 » : هي هنا بصرية قلبية معا ، لأن الحج لا يتم إلا بأمور منها ما هو معلوم ومنها ما هو مبصر ، ويلزمه على هذا الجمع بين الحقيقة والمجاز ، أو استعمال المشترك في معنييه معا . وقرأ الجمهور : « أرنا » بإشباع كسر الراء هنا ، وفي النساء « 6 » وفي الأعراف « 7 » : أَرِنِي أَنْظُرْ وفي

--> ( 1 ) سورة الأحزاب ، آية ( 43 ) . ( 2 ) البيت للسموأل انظر الحماسة ( 1 / 80 ) ، وهو من شواهد البحر ( 1 / 390 ) . ( 3 ) انظر المحتسب ( 1 / 173 ) ، الخزانة ( 4 / 5 ) ، الهمع ( 1 / 152 ) ، العيني ( 2 / 413 ) ، التصريح ( 1 / 259 ) ، الدرر ( 1 / 134 ) ، تعليق الفرائد ( 1 / 574 ) ، المقرب ( 1 / 116 ) ، أوضح المسالك ( 1 / 202 ) ، والمعنى فيه أنه ينعى على الذي يعيب عليه حب أهل البيت فيقول له إلى أي شيء تستند ؟ وبأي آية تستأنس فيم تحكم به . ( 4 ) وينسب هذا البيت أيضا لحاتم الطائي وهو في ديوانه ( 40 ) ، وفي شرح المفصل لابن يعيش ( 8 / 78 ) ، الخزانة ( 1 / 195 ) ، التصريح ( 1 / 111 ) ، الطبري ( 3 / 78 ) ، مجاز القرآن ( 1 / 55 ) ، عيون الأخبار ( 3 / 181 ) ، أمالي القالي ( 2 / 79 ) ، القرطبي ( 2 / 87 ) ، اللسان « علل » « أنن » . والشاعر في هذا البيت يخاطب امرأة قائلا أريني كريما مات من الهزل والضعف لذهاب ما بيديه من المال في الكرم أو بخيلا خلده ماله . ( 5 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 390 ) . ( 6 ) سورة النساء ، آية ( 153 ) . ( 7 ) سورة الأعراف ، آية ( 143 ) .