أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

368

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وقال الزمخشري : « ومن كفر » عطف على « من آمن » كما عطف « ومن ذريتي » على الكاف في « جاعلك » . قال الشيخ « 1 » : أما عطف من كفر على « من آمن » فلا يصح ، لأنه يتنافى تركيب الكلام لأنه يصير المعنى : قال إبراهيم : وارزق من كفر لأنه لا يكون معطوفا عليه حتى يشركه في العامل ، ومن آمن العامل فيه فعل الأمر وهو العامل في « ومن كفر » وإذا قدرته أمرا تنافى مع قوله « فأمتعه » لأن ظاهر هذا إخبار من اللّه بنسبة التمتع وإلجائهم إليه - تعالى - وأن كلا من الفعلين تضمن ضميرا ، وذلك لا يجوز إلا على بعد بأن يكون بعد الفاء قول محذوف فيه ضمير للّه - تعالى - أي : قال إبراهيم وارزق من كفر فقال اللّه أمتعه قليلا ثم اضطره ، ثم ناقض الزمخشري قوله هذا ، أنه عطف على « من » كما عطف « ومن ذريتي » على الكاف في « جاعلك » فقال : فإن قلت لما خص إبراهيم المؤمنين حتى رد عليه ؟ قلت : قاس الرزق على الإمامة فعرف الفرق بينهما ، بأن الإمامة لا تكون للظالم ، وأما الرزق فربما يكون استدراجا والمعنى : قال وأرزق من كفر فأمتعه ، فظاهر قوله : « والمعنى قال » أن الضمير في قال للّه - تعالى - وأن « من كفر » منصوب بالفعل المضارع المسند لضمير المتكلم . و « قليلا » نعت لمصدر محذوف أو زمان ، وقد تقدم له نظائر واختيار سيبويه فيه ، وقرأ الجمهور : « أضطره » خبرا ، وقرأ يحيى بن وثاب : « إضطره » بكسر الهمزة ووجهها كسر حرف المضارعة ، كقولهم في أخال : إخال ، وقرأ ابن محيصن : « أضطره » بإدغام الضاد في الطاء نحو : اطّجع في اضطجع ، وهي مرزولة لأن الضاد من الحروف الخمسة التي يدغم فيها ولا تدغم هي في غيرها وهي حروف : ضم شغر نحو : اطجع في اضطجع قاله الزمخشري ، وفيه نظر فإن هذه الحروف قد أدغمت في غيرها ، أدغم أبو عمرو الداني اللام في يَغْفِرْ لَكُمْ « 2 » والضاد في الشين : لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ « 3 » والشين في السين : الْعَرْشِ سَبِيلًا « 4 » وأدغم الكسائي الفاء في الباء : نَخْسِفْ بِهِمُ « 5 » وحكى سيبويه أن « مضجعا » أكثر فدل على أن « مطجعا كثيرا » . وقرأ يزيد « 6 » بن أبي حبيب : « أضطره » بضم الطاء كأنه للأتباع . وقرأ أبي « فنمتعه ثم نضطره » بالنون . واضطر افتعل من الضرّ وأصله : اضتر فأبدلت التاء طاء ، لأن تاء الافتعال تبدل طاء بعد حروف الإطباق ، وهو معتد وعليه جاء التنزيل وقال : 725 - اضطرّك الحرز من سلمى إلى أجإ * . . . « 7 » والاضطرار : الإلجاء والإلزاز إلى الأمر المكروه . قوله : وَبِئْسَ الْمَصِيرُ « المصير » فاعل والمخصوص بالذم محذوف أي : النار ومصير : مفعل من صار يصير وهو صالح للزمان والمكان ، وأما المصدر فقياسه الفتح لأن ما كسر عين مضارعه فقياس ظرفية الكسر ومصدره الفتح ولكن النحويين اختلفوا فيما كانت عينه ياء على ثلاثة مذاهب :

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 2 / 385 ) . ( 2 ) سورة نوح ، آية ( 4 ) . ( 3 ) سورة النور ، آية ( 62 ) . ( 4 ) سورة الإسراء ، آية ( 42 ) . ( 5 ) سورة سبأ ، آية ( 9 ) . ( 6 ) يزيد بن سويد الأزدي بالولاء المصري أبو رجاء مفتي أهل مصر في صدر الإسلام وأول من أظهر علوم الدين والفقه بها قال الليث : يزيد عالمنا وسيدنا توفي سنة 128 ه ، التذكرة ( 1 / 121 ) ، التهذيب ( 11 / 318 ) ، الأعلام ( 8 / 184 ) . ( 7 ) البيت من شواهد البحر ( 1 / 373 ) ، وهو في اللسان « أجأ » .