أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

363

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أحدها فعلية ، والياء أيضا تحتمل أن تكون للنسب ، ولم يشذوا فيه بتغيير كما شذوا في الضم والكسر وأن لا يكون نحو : برنية . الثاني : فعولة كخروبة والأصل : ذرورة . الثالث : فعيلة كسكينة والأصل : ذريرة . الرابع : فعلولة كبكولة ، والأصل : ذرورة أيضا ففعل به ما تقدم في نظيره من إبدال الراء الأخيرة وإدغام ما قبلها فيها وكسرت الذال اتباعا ، وبهذا الضبط الذي فعلته اتضح القول في هذه اللفظية لغة واشتقاقا وتصريفا فإن الناس قد استشكلوا هذه اللفظة بالنسبة لما ذكرت وغلط أكثرهم في تصريفها بالنسبة إلى الأعمال التي قدمتها ، والحمد للّه . وأما من بناها على فعلة مثل جفنة ، فإنها عنده من ذريت . والذرية : النسل يقع على الذكور والإناث ، والجمع الذراري ، وزعم بعضهم أنها تقع على الآباء كوقوعها على الأبناء مستدلا بقوله : وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ « 1 » يعني نوحا ومن معه وسيأتي ذلك في موضعه . قوله : قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ الجمهور على نصب « الظالمين » مفعولا ، و « عهدي » فاعل ، أي : لا يصل عهدي إلى الظالمين فيدركهم ، وقرأ قتادة والأعمش وأبو رجاء : الظالمون بالفاعلية ، و « عهدي » مفعول به ، والقراءتان ظاهرتان إذ الفعل يصح نسبته إلى كل منهما ، فإن من نالك فقد نلته ، والنيل : الإدراك ، وهو العطاء أيضا نال ينال نيلا فهو نائل . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 125 ] وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ( 125 ) قوله تعالى : وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ : « إِذْ » عطف على « إذ » قبلها ، وقد تقدم الكلام فيها ، و « جَعَلْنَا » يحتمل أن يكون بمعنى « خلق » و « وضع » فيتعدى لواحد وهو « البيت » ، ويكون « مثابة » نصبا على الحال ، وأن يكون بمعنى صير فيتعدى لاثنين فيكون « مثابة » هو المفعول الثاني . والأصل في « مثابة » مثوبة ، فأعل بالنقل والقلب ، وهل هو مصدر أو اسم مكان قولان ؟ وهل الهاء فيه للمبالغة كعلامة ونسابة لكثرة من يثوب إليه أي : يرجع أو لتأنيث المصدر كمقامه أو لتأنيث البقعة ؟ ثلاثة أقوال ، وقد جاء حذف هذه الهاء ، قال ورقة بن نوفل : 716 - مثاب لأفناء القبائل كلّها * تخبّ إليها اليعملات الذّوامل « 2 » وقال : 717 - جعل البيت مثابا لهم * ليس منه الدّهر يقضون الوطر « 3 »

--> ( 1 ) سورة يس ، آية ( 41 ) . ( 2 ) البيت في اللسان « ثوب » ، القرطبي ( 2 / 76 ) . ( 3 ) البيت من شواهد البحر ( 1 / 380 ) .