أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
358
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
ولا كان الكتاب متلوا ، وجوز الحوفي أن يكون « يتلونه » خبرا و « أولئك يؤمنون » خبرا بعد خبر ، قال : مثل قولهم : « هذا حلو حامض » كأنه يريد جعل الخبرين في معنى خبر واحد ، هذا إن أريد ب « الذين » قوم مخصوصون ، وإن أريد بهم العموم كان « أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ » الخبر ، قال جماعة - منهم ابن عطية وغيره - : « ويتلونه » حالا لا يستغنى عنها ، وفيها الفائدة ، وقال أيضا أبو البقاء ، ولا يجوز أن يكون « يتلونه » خبرا لئلا يلزم عنه أن كل مؤمن يتلو الكتاب حق تلاوته بأي تفسير فسرت التلاوة . قال الشيخ « 1 » : ونقول ما لزم من الامتناع من جعلها خبرا يلزم في جعلها حالا ، لأنه ليس كل مؤمن على حال التلاوة بأي تفسير فسرت التلاوة . قوله : حَقَّ تِلاوَتِهِ فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه نصب على المصدر ، وأصله : « تلاوة حقا » ثم قدم الوصف وأضيف إلى المصدر ، وصار نظير : « ضربت شديد الضرب » أي : ضربا شديدا ، فلما قدم وصف المصدر نصب نصبه . الثاني : أنه حال من فاعل يتلونه ، أي : يتلونه محقين . الثالث : أنه نعت مصدر محذوف ، وقال ابن عطية : و « حق » مصدر ، والعامل فيه فعل مضمر ، وهو بمعنى أفعل ، ولا تجوز إضافته إلى واحد معرف ، وإنما جازت هنا لأن تعرف التلاوة بإضافتها إلى ضمير ليس بتعرف محض ، وإنما هو بمنزلة قولهم : « رجل واحد أمه ، ونسيج وحده » يعني أنه في قوة أفعل التفضيل بمعنى أحق التلاوة ، وكأنه يرى أن إضافة أفعل غير محضة ، ولا حاجة إلى تقدير عامل فيه ، لأن ما قبله يطلبه . والضمير في به فيه أربعة أقوال : أحدها - وهو الظاهر - : عوده على الكتاب . الثاني : عوده على الرسول ، قالوا : ولم يجر له ذكر لكنه معلوم ، ولا حاجة إلى هذا الاعتذار ، فإنه مذكور في قوله : « أَرْسَلْناكَ » إلا أن فيه التفاتا من خطاب إلى غيبة . الثالث : أنه يعود على اللّه تعالى ، وفيه التفات أيضا من ضمير المتكلم المعظم نفسه في قوله : « أرسلناك » إلى الغيبة . الرابع : قال ابن عطية أنه يعود على « الهدى » ، وكرره بكلام حسن . وقوله : وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ العامل في إذ قال . . . العامل فيه « اذكر » مقدرا ، وهو مفعول ، وقد تقدم أنه لا يتصرف ، فالأولى ما ذكرته أولا وقدره . . . كان كيت وكيت فجعله ظرفا ولكن عامله مقدر ، و « ابتلى » وما بعده في محل خفض بإضافة الظرف إليه . وأصل ابتلى : ابتلو فألفه عن واو ، لأنه من بلا يبلو أي : اختبر ، و « إبراهيم » مفعول مقدم ، وهو واجب التقديم عند جمهور النحاة ، لأنه متى اتصل بالفاعل ضمير يعود على المفعول وجب تقديمه لئلا يعود الضمير على متأخر لفظا ورتبة ، هذا هو المشهور ، وما جاء على خلافه عدوه ضرورة ، وخالف أبو الفتح وقال : إن الفعل كما يطلب الفاعل يطلب المفعول ، فصار للفظ به شعور وطلب ، وقد أنشد ابن مالك أبياتا
--> ( 1 ) البحر المحيط ( 1 / 369 ) .