أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

330

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

« لو كانوا يعلمون » ؟ قلت : معناه : لو كانوا يعملون بعلمهم جعلهم حين لم يعملوا به كأنهم منسلخون عنه » وهذا بناء منه على أن الضميرين في « علموا » و « يعلمون » لشيء واحد . وأجاب غيره على هذا التقدير بأن المراد بالعلم الثاني العقل ، لأن العلم من ثمرته ، فلما انتفى الأصل انتفى ثمرته ، أو يغاير بين متعلق العلمين أي : علموا ضرره ، في الآخرة ولم يعلموا نفعه في الدنيا ، وأما إذا أعدت الضمير في « علموا » على الشياطين ، أو على من بحضرة سليمان ، أو على الملكين ، فلا إشكال لاختلاف المسند إليه العلم حينئذ . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 103 إلى 104 ] وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( 103 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 104 ) قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا « ولو » هنا فيها قولان : أحدهما : أنها على بابها من كونها حرفا لما كان سيقع لوقوع غيره ، وسيأتي الكلام في جوابها ، وأجاز الزمخشري أن تكون للتمني أي : ليتهم آمنوا على سبيل المجاز عن إرادة اللّه إيمانهم واختيارهم له ، فعلى هذا لا يلزم أن يكون لها جواب لأنها قد تجاب بالفاء حينئذ ، وفي كلامه اعتزال موضعه غير هذا الكتاب . و « أنهم آمنوا » مؤول بمصدر ، وهو في محل رفع واختلف في ذلك على قولين : أحدهما - وهو قول سيبويه - أنه في محل رفع بالابتداء ، وخبره محذوف تقديره : ولو إيمانهم ثابت وشذ وقوع الاسم بعد لو ، وإن كانت مختصة بالأفعال كما شذ النصب « غدوة » بعد « لدن » وقيل : لا يحتاج هذا المبتدأ إلى خبر ؛ لجريان لفظ المسند والمسند إليه في صلة « أن » . وصحح الشيخ « 1 » هذا في سورة النساء ، وهذا يشبه الخلاف في « أن » الواقعة بعد ظن وأخواتها ، وقد تقدم تحقيقه - واللّه أعلم - . والثاني : - وهو قول المبرد - أنه في محل رفع بالفاعلية . ورافعه محذوف تقديره : ولو ثبت إيمانهم ، لأنها لا يليها إلا الفعل ظاهرا أو مضمرا ، وقد رد بعضهم هذا بأنه لا يضمر بعدها الفعل إلا مفسرا بفعل مثله ، وهذا يحمل على المبرد ، ولكل من القولين دلائل ليس هذا موضعها . والضمير في « أنهم » فيه قولان : أحدهما : عائد على اليهود . والثاني : على الذين يعلمون السحر . قوله : لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ في هذه اللام قولان : أحدهما : أنها لام لام الابتداء ، وأن ما بعدها استئناف إخبار بذلك ، وليس متعلقا بإيمانهم وتقواهم ولا مترتبا عليه ، وعلى هذا فجواب « لو » محذوف إذا قيل بأنها ليست للتمني ، أو قيل بأنها للتمني ويكون لها جواب تقديره : لأثيبوا .

--> ( 1 ) البحر المحيط ( 3 / 264 ) .