أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
310
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وينسبك منها وما بعدها مصدر يكون مفعولا ليود ، والتقدير : يود أحدهم تعميره ألف سنة . واستدل أبو البقاء بأن الامتناعية معناها في الماضي ، وهذه يلزمها المستقبل ك « أن » وبأن « يود » يتعدى لمفعول وليس مما يعلق ، وبأن « أن » قد وقعت بعد يود في قوله : أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ « 1 » وهو كثير ، وموضع الرد عليه غير الكتاب . الثالث - وإليه نحا الزمخشري - : أن يكون معناها التمني ، فلا تحتاج إلى جواب لأنها في قوة : يا ليتني أعمر ، وتكون الجملة من لو وما في حيزها في محل نصب مفعولا به على طريق الحكاية بيود ، إجراء له مجرى القول . قال الزمخشري : « فإن قلت : كيف اتصل لو يعمر بيود أحدهم ؟ قلت : هي حكاية لودادتهم و « لو » في معنى التمني ، وكان القياس : « لو أعمر » إلا أنه جرى على لفظ الغيبة لقوله : « يود أحدهم » كقولك : « حلف باللّه ليفعلن انتهى » وقد تقدم شرحه إلا قوله : « وكان القياس لو أعمر ، يعني بذلك أنه كان من حقه أن يأتي بالفعل مسندا للمتكلم وحده ، وإنما أجرى « يود » مجرى القول لأن « يود » فعل قلبي ، والقول ينشأ عن الأمور القلبية » . و أَلْفَ سَنَةٍ منصوب على الظرف بيعمر وهو متعد لمفعول واحد ، قد أقيم مقام الفاعل . وفي « سنة » قولان : أحدهما : أن أصلها : سنوة لقولهم : سنوات وسنية وسانيت . والثاني : أنها من سنهة لقولهم : سنيات وسنيهة وسانهت ، واللغتان ثابتتان عن العرب كما ذكرت لك . قوله : وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ في هذا الضمير خمسة أقوال : أحدها : أنه عائد على « أحد » وفيه حينئذ وجهان : أحدهما : أنه اسم « ما » الحجازية و « بمزحزحه » خبر « ما » فهو في محل نصب ، والباء زائدة و « أن يعمر » فاعل بقوله « بمزحزحه » والتقدير : وما أحدهم مزحزحه تعميره . - الثاني من الوجهين في « هو » : أن يكون مبتدأ و « بمزحزحه » خبره و « أن يعمر » فاعل به كما تقدم ، وهذا على كون « ما » تميمية ، والوجه الأول أحسن لنزول القرآن بلغة الحجاز ، وظهور النصب في قوله : ما هذا بَشَراً « 2 » ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ « 3 » . الثاني من الأقوال : أن يعود على المصدر المفهوم من « يعمر » أي : وما تعميره ويكون قوله : « أن يعمر » بدلا منه ، ويكون ارتفاع « هو » على الوجهين المتقدمين أعني كونه اسم « ما » أو مبتدأ . الثالث : أن يكون كناية عن التعمير ، ولا يعود على شيء قبله ويكون « أن يعمر » بدلا منه مفسرا له ، والفرق بين هذا وبين القول الثاني أن ذاك تفسيره شيء متقدم مفهوم من الفعل ، وهذا مفسر بالبدل بعده وقد تقدم أن في ذلك خلافا ، وهذا ما عنى الزمخشري بقوله : ويجوز أن يكون « هو » مبهما و « أن يعمر » موضحه . الرابع : أنه ضمير الأمر والشأن ، وإليه نحا الفارسي في « الحلبيات » موافقة للكوفيين ، فإنهم يفسرون ضمير الأمر بغير جملة إذا انتظم من ذلك إسناد معنوي نحو : ظننته قائما الزيدان ، وما هو بقائم زيد لأنه في قوة : ظننته يقوم
--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 266 ) . ( 2 ) سورة يوسف ، آية ( 31 ) . ( 3 ) سورة المجادلة ، آية ( 2 ) .