أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

308

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

معرفة غير محضة و « أحرص » أفعل تفضيل ف « من » مرادة معها ، وقد أضيفت لمعرفة فجاءت على أحد الجائزين ، أعني عدم المطابقة وذلك أنها إذا أضيفت إلى معرفة على نية « من » جاز فيها وجهان : المطابقة لما قبلها نحو : الزيدان أفضلا الرجال ، والزيدون أفاضل الرجال ، وهند فضلى النساء ، والهنود فضليات النساء ، ومنه قوله : أَكابِرَ مُجْرِمِيها « 1 » وعدمها نحو : الزيدون أفضل الرجال ، وعليه هذه الآية ، وكلا الوجهين فصيح خلافا لابن السراج حيث ادعى تعين الإفراد ، ولأبي منصور الجواليقي « 2 » حيث زعم أن المطابقة أفصح ، وإذا أضيفت لمعرفة لزم أن تكون بعضها ، ولذلك منع النحويون : « يوسف أحسن أخوته » على معنى التفضيل وتأولوا ما يوهم غيره نحو : « الناقص والأشج أعدلا بني مروان » « 3 » بمعنى العادلان فيهم ، وأما : 624 - يا ربّ موسى أظلمي وأظلمه * فاصبب عليه ملكا لا يرحمه « 4 » فشاذ وسوغ ذلك كون « أظلم » الثاني مقحما كأنه قال : « أظلمنا » . وأما إذا أضيف لنكرة فقد سبق حكمها عند قوله : أَوَّلَ كافِرٍ « 5 » . قوله : عَلى حَياةٍ متعلق ب « أحرص » لأن هذا الفعل يتعدى ب « على » تقول : حرصت عليه ، والتنكير في « حياة » تنبيه على أنه أراد حياة مخصوصة وهي الحياة المتطاولة ، ولذلك كانت القراءة بها أوقع من قراءة أبي « على الحياة » بالتعريف وقيل : إن ذلك على حذف مضاف تقديره : على طول حياة ، والظاهر أنه لا يحتاج إلى تقدير صفة ولا مضاف ، بل يكون المعنى : أنهم أحرص الناس على مطلق حياة ، وإن قلت : فكيف وإن كبرت فيكون أبلغ في وصفهم بذلك ، وأصل حياة : حيية تحركت الياء وانفتح ما قبلها ، قلبت ألفا . قوله : وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يجوز أن يكون متصلا داخلا تحت أفعل التفضيل ، ويجوز أن يكون منقطعا عنه ، وعلى القول باتصاله به فيه ثلاثة أقوال : أحدها : أنه حمل على المعنى . فإن معنى أحرص الناس : أحرص من الناس فكأنه قيل : أحرص من الناس ومن الذين أشركوا . الثاني : أن يكون حذف من الثاني لدلالة الأول عليه ، والتقدير : وأحرص من الذين أشركوا ، وعلى ما تقرر من كون « مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا » متصلا بأفعل التفضيل فلا بد من ذكر « من » لأن « أحرص » جرى على اليهود فلو عطف بغير « من » لكان معطوفا على الناس فيكون في المعنى : ولتجدنهم أحرص الذين أشركوا ، فيلزم إضافة أفعل إلى غير ما اندرج تحته ، لأن اليهود ليسوا من هؤلاء المشركين الخاصين ، لأنهم قالوا في تفسيرهم إنهم المجوس أو عرب يعبدون الأصنام ، اللهم إلا أن يقال إنه يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل ، فحينئذ لو لم يؤت ب « من » لكان جائزا .

--> ( 1 ) سورة الأنعام ، آية ( 123 ) . ( 2 ) موهوب بن أحمد بن محمد بن الحسن الجواليقي النحوي اللغوي كان إماما في فنون الأدب توفي في المحرم سنة خمس وستين وأربعمائة هكذا في البغية وفي معجم الأدباء 19 / 207 ، في خامس عشر المحرم سنة تسع وثلاثين وخمسمائة . ( 3 ) الناقص : هو يزيد بن عبد الملك ، والأشجّ : هو عمر بن عبد العزيز . ( 4 ) البيت في الخزانة ( 4 / 369 ) ، الهمع ( 1 / 110 ) ، التصريح ( 1 / 299 ) ، الدرر ( 1 / 80 ) ، المقرب ( 1 / 212 ) . ( 5 ) سورة البقرة ، آية ( 41 ) .