أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
304
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
مصدر لا يتحمّل الضمير على حسب تحمّل اسم الفاعل له عندهم ، فقوله « عند آخرين » هذا هو الذي قدّمته أوّلا وهو الصواب » . قوله : فَلِمَ تَقْتُلُونَ الفاء جواب شرط مقدر تقديره : إن كنتم آمنتم بما أنزل عليكم فلم قتلتم الأنبياء ؟ وهذا تكذيب لهم ، لأن الإيمان بالتوراة مناف لقتل أشرف خلقه . و « لم » جارّ ومجرور ، اللام حرف جر وما استفهامية في محلّ جرّ أي : لأي شيء ؟ ولكن حذفت ألفها فرقا بينها وبين « ما » الخبرية . وقد تحمل الاستفهامية على الخبرية فتثبت ألفها ، قال الشاعر : 620 - على ما قام يشتمني لئيم * كخنزير تمرّغ في رماد « 1 » وهذا ينبغي أن يخصّ بالضرورة كما نصّ عليه بعضهم ، والزمخشري يجيز ذلك ، ويخرّج عليه بعض آي القرآن ، كما قد تحمل الخبرية على الاستفهامية في الحذف في قولهم : اصنع بم شئت ، وهذا لمجرد الشّبه اللفظيّ . وإذا وقف على « ما » الاستفهامية المجرورة : فإن كانت مجرورة باسم وجب لحاق هاء السكت نحو : مجيء مه ، وإن كانت مجرورة بحرف فالاختيار اللّحاق . والفرق أنّ الحرف يمتزج بما يدخل عليه فتقوى به الاستفهامية بخلاف الاسم المضاف إليها فإنه في نية الانفصال ، وهذا الوقف إنما يجوز ابتلاء أو لقطع نفس ، ولا جرم أنّ بعضهم منع الوقف على هذا النحو ، قال : « لأنه إن وقف بغير هاء كان خطأ لنقصان الحرف ، وإن وقف بهاء خالف السواد » ، لكن البزي قد وقف بالهاء ، ومثل ذلك لا يعدّ مخالفة للسواد ، ألا ترى إلى إثباتهم بعض ياءات الزوائد . والجارّ متعلق بقوله : « تقتلون » ، ولكنه قدّم عليه وجوبا لأنّ مجروره له صدر الكلام ، والفاء وما بعدها من « تقتلون » في محلّ جزم ، وتقتلون - وإن كان بصيغة المضارع - فهو في معنى الماضي لفهم المعنى ، وأيضا فمعه قوله « من قبل » ، وجاز إسناد القتل إليهم وإن لم يتعاطوه لأنهم لمّا كانوا راضين بفعل أسلافهم جعلوا كأنّهم فعلوا هم أنفسهم . قوله : إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ في « إن » قولان : أحدهما : أنها شرطية وجوابها محذوف تقديره : إن كنتم مؤمنين فلم فعلتم ذلك ، ويكون الشرط وجوابه قد كرّر مرتين ، فحذف الشرط من الجملة الأولى وبقي جوابه وهو : فلم تقتلون ، وحذف الجواب من الثانية وبقي شرطه ، فقد حذف من كلّ واحدة ما أثبت في الأخرى . وقال ابن عطية : « جوابها متقدّم ، وهو قوله : فلم » وهذا إنما يتأتّى على قول الكوفيين وأبي زيد . والثاني : أنّ « إن » نافية بمعنى ما ، أي : ما كنتم مؤمنين لمنافاة ما صدر منكم الإيمان .
--> ( 1 ) البيت لحسان بن ثابت رضي اللّه عنه انظر ديوان ( 258 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 4 / 9 ) ، الهمع ( 2 / 217 ) ، الدرر ( 1 / 90 ) ، شواهد الشافية ( 224 ) ، المغني ( 1 / 299 ) ، الأشموني ( 4 / 216 ) ، الخزانة ( 6 / 99 ) ، معاني الفراء ( 2 / 92 ) . والمغني فيه على أي شيء قام يسين إنسان خبيث الطبع مثله كمثل الخنزير تمعك في التراب والشاهد فيه قوله : « على ما » حيث أثبت الألف في ما الاستفهامية مع دخول الجار ضرورة أو حملا للاستفهامية على الخبرية كما أشار المصنف رحمه اللّه .