أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

301

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

والثاني من الأوجه الثلاثة : أنه منصوب على المصدر بفعل يدلّ عليه ما تقدّم أي بغوا بغيا . والثالث : أنه في موضع حال ، وفي صاحبها القولان المتقدّمان : إمّا فاعل « اشتروا » وإمّا فاعل « يكفروا » ، تقديره : اشتروا باغين ، أو يكفروا باغين . والبغي : أصله الفساد من قولهم : بغى الجرح أي فسد قاله الأصمعي وقيل : هو شدّة الطلب ، ومنه قوله تعالى : « ما نَبْغِي » « 1 » ، وقال الراجز : 615 - أنشد والباغي يحبّ الوجدان * قلائصا مختلفات الألوان « 2 » ومنه « البغيّ » لشدة طلبها له . قوله : أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ فيه قولان ، أحدهما : أنّه مفعول من أجله والناصب له « بغيا » أي : علّة البغي إنزال اللّه فضله على محمد عليه السّلام . والثاني : أنّه على إسقاط الخافض والتقدير : بغيا على أن ينزّل ، أي : حسدا على أن ينزّل ، فيجيء فيه الخلاف المشهور : أهي في موضع نصب أو في موضع جر ؟ والثالث : أنّه في محلّ جرّ بدلا من « ما » في قوله : بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بدل اشتمال ، أي : بإنزال اللّه فيكون مثل قول امرئ القيس : 616 - أمن ذكر سلمى أن نأتك تنوص « 3 » وقرأ أبو عمرو وابن كثير جميع المضارع من « أنزل » مخففا إلا ما وقع الإجماع على تشديده في الحجر « وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا » « 4 » ، وقد خالفا هذا الأصل : أمّا أبو عمرو فإنه شدّد على أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً « 5 » في الأنعام ، وأمّا ابن كثير فإنه شدّد في الإسراء : وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ « 6 » حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً « 7 » والباقون بالتشديد في جميع المضارع إلا حمزة والكسائيّ فإنهما خالفا هذا الأصل فخفّفا : وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ « 8 » آخر لقمان ، وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ « 9 » في الشورى . والهمزة والتضعيف للتعدية ، وقد تقدّم : هل بينهما فرق ؟ وتحقيق كلّ من القولين ، وقد ذكر القرّاء مناسبات للإجماع على التشديد في ذلك الموضع ومخالفة كلّ واحد أصله لماذا ؟ بما يطول ذكره ، والأظهر من ذلك كلّه أنه جمع بين اللغات . قوله : مِنْ فَضْلِهِ : « من » لابتداء الغاية ، وفيه قولان : أحدهما : أنه صفة لموصوف محذوف هو مفعول « ينزّل » أي : أن ينزّل اللّه شيئا كائنا من فضله فيكون في محلّ نصب . والثاني : أنّ « من » زائدة ، وهو رأي الأخفش ، وحينئذ فلا تعلّق له ، والمجرور بها هو المفعول أي : أن ينزّل اللّه فضله .

--> ( 1 ) سورة يوسف ، آية ( 65 ) . ( 2 ) البيت من شواهد البحر ( 1 / 298 ) . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) سورة الحجر ، آية ( 31 ) . ( 5 ) سورة الأنعام ، آية ( 37 ) . ( 6 ) سورة الإسراء ، آية ( 82 ) . ( 7 ) سورة الإسراء ، آية ( 93 ) . ( 8 ) سورة لقمان ، آية ( 34 ) . ( 9 ) سورة الشورى ، آية ( 28 ) .