أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
296
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والثاني : أن يكون جمع « غلاف » ، ويكون أصل اللام الضمّ فخفّف نحو : حمار وحمر وكتاب وكتب ، إلّا أنّ تخفيف فعل إنما يكون في المفرد غالبا نحو عنق في عنق ، وأمّا فعل الجمع فقال ابن عطية : « لا يجوز تخفيفه إلا في ضرورة » ، وليس كذلك ، بل هو قليل ، وقد نصّ غيره على جوازه ، وقرأ ابن عباس - ويروى عن أبي عمرو - بضم اللام وهو جمع « غلاف » ، ولا يجوز أن يكون فعل في هذه القراءة جمع « أغلف » لأنّ تثقيل فعل الصحيح العين لا يجوز إلّا في شعر ، والمعنى على هذه القراءة أنّ قلوبنا أوعية للعلم فهي غير محتاجة إلى علم آخر ، والتغليف كالتغشية في المعنى . قوله : « بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ » « بَلْ » حرف إضراب ، والإضراب راجع إلى ما تضمّنه قولهم من أن قلوبهم غلف ، فردّ اللّه عليهم ذلك بأنّ سببه لعنهم بكفرهم السابق . والإضراب على قسمين : إبطال وانتقال ، فالأول نحو : ما قام زيد بل عمرو ، ولا تعطف « بل » إلا المفردات ، وتكون في الإيجاب والنفي والنهي ، ويزاد قبلها « لا » تأكيدا . واللّعن : الطّرد والبعد ، ومنه : شأو لعين أي بعيد : قال الشمّاخ : 611 - ذعرت به القطا ونفيت عنه * مقام الذئب كالرّجل اللّعين « 1 » أي : البعيد ، وكان وجه الكلام أن يقول : « مقام الذئب اللعين كالرجل » . والباء في « بكفرهم » للسبب ، وهي متعلّقة بلعنهم . وقال الفارسي : « النية به التقديم أي : وقالوا : قلوبنا غلف بسبب كفرهم ، فتكون الباء متعلقة بقالوا وتكون « بل لعنهم » جملة معترضة » ، وفيه بعد ، ويجوز أن تكون حالا من المفعول في « لعنهم » أي لعنهم كافرين أي : ملتبسين بالكفر كقوله : « وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ » « 2 » . قوله : فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ في نصب « قليلا » ستة أوجه : أحدها وهو الأظهر : أنه نعت لمصدر محذوف أي : فإيمانا قليلا يؤمنون . الثاني : أنه حال من ضمير ذلك المصدر المحذوف أي : فيؤمنونه أي الإيمان في حال قلّته ، وقد تقدّم أنه مذهب سيبويه وتقدّم تقريره . الثالث : أنه صفة لزمان محذوف ، أي : فزمانا قليلا يؤمنون ، وهو كقوله : آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ « 3 » . الرابع : أنه على إسقاط الخافض والأصل : فبقليل يؤمنون ، فلمّا حذف حرف الجرّ انتصب ، ويعزى لأبي عبيدة . الخامس : أن يكون حالا من فاعل « يؤمنون » ، أي فجمعا قليلا يؤمنون أي المؤمن فيهم قليل ، قال معناه ابن عباس وقتادة . إلا أن المهدوي قال : « ذهب قتادة إلى أنّ المعنى : فقليل منهم من يؤمن » ، وأنكره النحويون ، وقالوا : لو كان كذلك للزم رفع « قليل » . قلت : لا يلزم الرفع مع القول بالمعنى الذي ذهب إليه قتادة لما تقدّم من أنّ نصبه على الحال وأف بهذا المعنى . و « ما » على هذه الأقوال كلها مزيدة للتأكيد .
--> ( 1 ) البيت في ديوانه ( 92 ) ، القرطبي ( 2 / 25 ) . ( 2 ) سورة المائدة ، آية ( 61 ) . ( 3 ) سورة آل عمران ، آية ( 72 ) .