أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
28
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قال السمين عند قوله تعالى : طه « 1 » قيل : إن معنى طه يا رجل في لغة عك . . . قال الزمخشري : ولعل عكا تصرفوا في يا هذا كأنّهم في لغتهم قالبون الياء طاء فقالوا في يا طا واختصروا هذا فاقتصروا على ها يعني فكأنه قيل في الآية الكريمة يا هذا . . . تعقبه السمين بقوله وفيه بعد كبير . قال السمين عند قوله تعالى : يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ . . « 2 » « يوم نطوي » فيه أوجه ؛ أحدها : أنّه منصوب بلا « يحزنهم » ، والثاني : أنّه منصوب ب « تتلقاهم » ، الثالث : أنّه منصوب بإضمار اذكر أو أعني ، الرابع أنّه بدل من العائد المقدر تقديره يوعدونه يوم نطوي . الخامس : أنّه منصوب بالفزع قاله الزمخشري ، تعقبه السمين بقوله وفيه نظر من حيث إنّه أعمل المصدر الموصوف قبل أخذه معموله . قال السمين عند قوله تعالى : وَتَرَى النَّاسَ سُكارى . . « 3 » . قرأ الحسن والأعرج وأبو زرعة والأعمش : « سكرى بسكرى » بضم السين فيهما ، فقال ابن جني هو اسم مفرد كالبشري بهذا أفتاني أبو علي ، وقال أبو الفضل : فعلى بضم الفاء من صفة الواحد من الإناث لكنها لما جعلت من صفات الناس وهم جماعة أجريت الجماعة بمنزلة المؤنث الواحد ، وقال الزمخشري هو غريب - يتعقبه السمين بقوله - قلت : ولا غرابة فإنّ فعلى بضم الفاء كثير مجيئها في أوصاف المؤثنة نحو الربى والحبلى . و - اتجاهه التفسيري : عندما رسم السمين منهج كتابه بيّن لنا في مقدمته أنّ مهمته البحث في العلوم الخمسة ، اللغة ، والإعراب ، والتصريف ، والمعاني ، والبيان كما بيّن لنا أيضا . جمع شتات هذه العلوم في كتاب واحد ، وكان « السمين » صادقا فيما قال فالتزم بالمنهج الذي رسمه فلم يخالفه فنجده لا يتعدى هذا المنهج إلى التفسير إلا بالقدر الذي يتصل بالمعاني والإعراب . ومن أمثلة ذلك : قال السمين عند قوله تعالى : . . إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ . . « 4 » ، « آنست » أي أبصرت والإيناس الإبصار البين ومنه إنسان العين لأنّه يبصر به الأشياء وقيل : هو الوجدان ، وقيل : الإحساس فهو أعم من الإبصار . . والقبس الجذوة من النّار وهي الشعلة في رأس عود أو قصبة ونحوهما . . ويقال : أقبست الرجل علما وقبسته نارا ففرقوا بينهما . فنرى السمين الحلبي لم يتعرض إلى التفسير إلا بما يتصل بالحقائق اللغوية . قال السمين عند قوله تعالى : . . أَكادُ أُخْفِيها . . « 5 » لعامة على ضم الهمزة من « أخفيها » وفيها تأويلان ؛ أحدهما : أنّ الهمزة في أخفيها للسلب والإزالة أي أزيل خفاها نحو أعجمت الكتاب أي أزلت عجمته ثم في ذلك معنيان ، أحدهما : أنّ الخفاء بمعنى الستر ومتى أزال سترها فقد أظهرها والمعنى أنّها لتحقق وقوعها وقربها أكاد أخفيها
--> ( 1 ) سورة طه ، آية ( 1 ) . ( 2 ) سورة الأنبياء ، آية ( 104 ) . ( 3 ) سورة الحج ، آية ( 2 ) . ( 4 ) سورة طه ، آية ( 10 ) . ( 5 ) سورة طه ، آية ( 15 ) .