أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
271
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
567 - ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة * فقالت : لك الويلات إنّك مرجلي « 1 » فويلات جمع ويلة لا جمع ويل كما زعم ابن عطية لأنّ جمع المذكر بالألف والتاء لا ينقاس . قوله : بِأَيْدِيهِمْ متعلّق بيكتبون ، ويبعد جعله حالا من « الكتاب » ، والكتاب هنا بمعنى المكتوب ، فنصبه على المفعول به ، ويبعد جعله مصدرا على بابه ، وهذا من باب التأكيد فإن الكتبة لا تكون بغير اليد ، ونحوه : وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ « 2 » ، يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ « 3 » . وقيل : فائدة ذكره أنّهم باشروا ذلك بأنفسهم ولم يأمروا به غيرهم ، فإنّ قولك : فعل فلان كذا يحتمل أنه أمر بفعله ولم يباشره ، نحو : بنى الأمير المدينة ، فأتى بذلك رفعا لهذا المجاز . وقيل : فائدته بيان جرأتهم ومجاهرتهم ، فإنّ المباشر للفعل أشدّ مواقعة ممّن لم يباشره . وهذا القولان قريبان من التأكيد ، فإنّ أصل التأكيد رفع توهّم المجاز . وقال ابن السّرّاج : « ذكر الأيدي كناية عن أنهم اختلقوا ذلك من تلقائهم ومن عند أنفسهم » وهذا الذي قاله لا يلزم . والأيدي جمع يد ، والأصل : أيدي بضمّ الدال كفلس وأفلس في القلة فاستثقلت الضمة قبل الياء فقلبت كسرة للتجانس نحو : بيض جمع أبيض ، والأصل : بيض بضم الياء كحمر جمع أحمر ، وهذا رأي سيبويه ، أعني أنه يقرّ الحرف ويغيّر الحركة ومذهب الأخفش عكسه ، وسيأتي تحقيق مذهبيهما عند ذكر « معيشة » إن شاء اللّه تعالى . وأصل يد : يدي بسكون العين ، وقيل : يدي بتحريكها ، فتحرّك حرف العلة وانفتح ما قبله فقلب ألفا فصار يدا كرحى ، وعليه التثنية : يديان ، وعليه أيضا قوله : 568 - يا ربّ سار بات لن يوسّدا * تحت ذراع العنس أو كفّ اليدا « 4 » والمشهور في تثنيتها عدم ردّ لامها ، قال تعالى : بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ « 5 » تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ « 6 » ، وقد شذّ الردّ في قوله : يديان . 569 - يديان بيضاوان عند محلّم * قد يمنعانك أن تضام وتقهرا « 7 » وأياد جمع الجمع نحو : كلب وأكلب وأكالب . ولا بدّ في قوله : « يكتبون الكتاب » من حذف يصحّ معه المعنى ، فقدّره الزمخشري : « يكتبون الكتاب المحرّف » وقدّره غيره حالا من الكتاب تقديره : يكتبون الكتاب محرّفا ، وإنما أحوج إلى هذا الإضمار لأنّ الإنكار لا يتوجّه على من كتب الكتاب بيده إلا إذا حرّفه وغيّره . قوله : لِيَشْتَرُوا اللام لام كي ، وقد تقدّمت . والضمير في « به » يعود على ما أشاروا إليه بقولهم : « هذا من عند اللّه » و « ثمنا » مفعوله ، وقد تقدّم تحقيق دخول الباء على غير الثمن عند قوله : وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا « 8 » فليلتفت إليه ، واللام متعلقة بيقولون ، أي : يقولون ذلك لأجل الاشتراء . وأبعد من جعلها متعلقة
--> ( 1 ) البيت من معلقته المشهورة انظر ديوانه ( 11 ) ، شرح المعلقات للتبريزي ( 70 ) ، والشنقيطي ( 60 ) . ( 2 ) سورة الأنعام ، آية ( 16 ) . ( 3 ) سورة آل عمران ، آية ( 16 ) . ( 4 ) البيت في شرح المفصل لابن يعيش ( 4 / 152 ) ، الدرر ( 1 / 13 ) . ( 5 ) سورة المائدة ، آية ( 64 ) . ( 6 ) سورة المسد ، آية ( 1 ) . ( 7 ) البيت في مجالس العلماء ( 327 ) ، الخزانة ( 2 / 269 ) ، أمالي ابن الشجري ( 2 / 35 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 4 / 151 ) ، شرح الشافية ( 2 / 65 ) . ( 8 ) سورة البقرة ، آية ( 41 ) .