أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
251
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
529 - قد أترك القرن مصفرّا أنامله * كأنّ أثوابه مجّت بفرصاد « 1 » وهي أداة مختصة بالفعل ، وتدخل على الماضي والمضارع ، وتحدث في الماضي التقريب من الحال . وفي عبارة بعضهم : « قد : حرف يصحب الأفعال ويقرّب الماضي من الحال ، ويحدث تقليلا في الاستقبال » ويكون اسما بمعنى حسب نحو : قدني درهم أي : حسبي ، وتتصل بها نون الوقاية مع ياء المتكلم غالبا ، وقد جمع الشاعر بين الأمرين ، قال : 530 - قدني من نصر الخبيبين قدي « 2 » * . . . وإذا كانت حرفا جاز حذف الفعل بعدها كقوله : 531 - أفد الترحّل غير أنّ ركابنا * لمّا تزل برحالنا وكأن قد « 3 » أي : قد زالت ، وللقسم وجوابه أحكام تأتي إن شاء اللّه تعالى مفصّلة . و « علمتم » بمعنى عرفتم ، فيتعدّى لواحد فقط ، والفرق بين العلم والمعرفة أنّ العلم يستدعي معرفة الذات وما هي عليه من الأحوال نحو : علمت زيدا قائما أو ضاحكا ، والمعرفة تستدعي معرفة الذات ، وقيل : لأنّ المعرفة يسبقها جهل ، والعلم قد لا يسبقه جهل ، ولذلك لا يجوز إطلاق المعرفة عليه سبحانه . و « الَّذِينَ اعْتَدَوْا » الموصول وصلته في محلّ النصب مفعولا به ، ولا حاجة إلى حذف مضاف ، كما قدرّه بعضهم ، أي : أحكام الذين اعتدوا ، لأنّ المعنى عرفتم أشخاصهم وأعيانهم . وأصل اعتدوا : اعتديوا ، فأعلّ بالحذف ووزنه افتعوا ، وقد عرف تصريفه ومعناه . قوله : مِنْكُمْ في محلّ نصب على الحال من الضمير في « اعتدوا » ويجوز أن يكون من « الذين » أي : المعتدين كائنين منكم ، و « من » للتبعيض . قوله : فِي السَّبْتِ متعلّق باعتدوا ، والمعنى : في حكم السبت ، وقال أبو البقاء : « وقد قالوا : اليوم السبت ، فجعلوا « اليوم » خبرا عن السبت ، كما يقال ، اليوم القتال ، فعلى ما ذكرنا يكون في الكلام حذف تقديره في يوم السبت » . والسبت في الأصل مصدر سبت ، أي : قطع العمل . وقال ابن عطية : « والسّبت : إمّا مأخوذ من السّبوت الذي هو الراحة والدّعة ، وإمّا من السّبت وهو القطع ، لأن الأشياء فيه سبتت وتمّت خلقتها ، ومنه قولهم : سبت رأسه أي : حلقه . وقال الزمخشري : « والسبت مصدر سبتت اليهود إذا عظّمت يوم السبت » وفيه نظر ، فإنّ هذا
--> ( 1 ) البيت لعبيد بن الأبرص انظر ديوانه ( 149 ) ، وهو من شواهد الكتاب ( 4 / 224 ) ، رصف المباني ( 392 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 8 / 147 ) ، المغني ( 1 / 174 ) ، شواهد المغني ( 494 ) ، الهمع ( 2 / 73 ) ، الدرر ( 2 / 89 ) ، الخزانة ( 4 / 502 ) ، المقتضب ( 1 / 181 ) ، تعليق الفرائد ( 1 / 114 ) . القرن بالكسر : الكفء والنظير في الشجاعة . مصفرا أنامله ؛ أي ميتا ؛ وخص الأنامل لأن الصفرة إليها أسرع وفيها أظهر . مجت من المج وهو رمى السائل وصبه ، وأصله المج من الفم . والفرصاد : التوت ، شبه الدم بحمرة عصارته . ( 2 ) البيت لأبي بحدلة وقيل لحميد الأرقط انظر أمالي الشجري ( 1 / 14 ) ، النوادر ( 205 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 3 / 24 ) ، شواهد المغني ( 487 ) ، الإنصاف ( 131 ) ، الخزانة ( 2 / 449 ) ، العيني ( 1 / 375 ) . ( 3 ) البيت للنابغة انظر ديوانه ( 27 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 8 / 5 ) ، الخصائص ( 2 / 361 ) ، الخزانة ( 7 / 197 ) ، الدرر ( 1 / 121 ) ، الأشموني ( 1 / 31 ) ، المغني ( 1 / 271 ) ، التصريح ( 1 / 26 ) ، الهمع ( 1 / 143 ) ، والمعنى فيه أنه قرب موعد الرحيل إلا أن الركاب لم تغادر مكان أحبتنا بما عليها من الرحال .