أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

241

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وقيل غير ذلك . قوله : أَدْنى فيه ثلاثة أقوال : أحدها - وهو الظاهر ، وهو قول أبي إسحاق الزجاج - أنّ أصله : أدنو من الدّنوّ وهو القرب ، فقلبت الواو ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها ، ومعنى الدنوّ في ذلك فيه وجهان : أحدهما : أنه أقرب لقلة قيمته وخساسته . والثاني : أنه أقرب لكم لأنه في الدنيا بخلاف الذي هو خير ، فإنه بالصبر عليه يحصل نفعه في الآخرة . والثاني - قول علي بن سليمان الأخفش « 1 » - : أنّ أصله أدنأ مهموزا من دنأ يدنأ دناءة ، وهو الشيء الخسيس ، إلا أنه خفّف همزة كقوله : 505 - . . . * فارعي فزارة لا هناك المرتع « 2 » ويدلّ عليه قراءة زهير الفرقبي « 3 » : « أدنأ » بالهمز . الثالث : أنّ أصله أدون من الشيء الدّون أي الرديء ، فقلب بأن أخرت العين إلى موضع اللام فصار : أدنو فأعلّ كما تقدّم ، ووزنه أفلع ، وقد تقدّم معنى الاستبدال وأدنى خبر عن « هو » والجملة صلة وعائد ، وكذلك « هو خير » أيضا صلة وعائد . قوله : مِصْراً قرأه الجمهور منونا ، وهو خطّ المصحف ، فقيل : إنهم أمروا بهبوط مصر من الأمصار فلذلك صرف ، وقيل : أمروا بمصر بعينه وإنما صرف لخفّته ، لسكون وسطه كهند ودعد ، وأنشد : 506 - لم تتلفّع فضل مئزرها * دعد ولم تسق دعد في العلب « 4 » فجمع بين الأمرين ، أو صرفه ذهابا به إلى المكان ، وقرأ الحسن وغيره : « مصر » « 5 » وكذلك هي في بعض مصاحف عثمان ومصحف أبيّ « 6 » ، كأنهم عنوا مكانا بعينه . وقال الزمخشري : « إنه معرّب من لسان العجم ، فإن أصله مصرائيم ، فعرّب » ، وعلى هذا إذا قيل بأنه علم لمكان بعينه فلا ينبغي أن يصرف البتة لانضمام العجمة إليه ، فهو نظير « ماه وجور وحمص » ولذلك أجمع الجمهور على منعه في قوله « ادْخُلُوا مِصْرَ » « 7 » . والمصر في أصل

--> ( 1 ) علي بن سليمان بن الفضل النحوي أبو الحسن الأخفش الأصغر أحد الثلاثة المشهورين توفي في شعبان سنة خمس عشرة وثلاثمائة . وقيل : ست عشرة ؛ وقد قارب الثمانين البغية ( 2 / 167 - 168 ) . ( 2 ) عجز بيت للفرزدق وصدره : راحت بمسلمة البغال عشية * . . . . انظر ديوانه ( 508 ) ، أمالي ابن الشجري ( 1 / 80 ) ، الخصائص ( 3 / 152 ) ، الحجة لأبي علي الفارسي ( 1 / 301 ) ، المحتسب ( 2 / 173 ) ، الكشاف ( 4 / 445 ) . ( 3 ) زهير الفرقيي يعرف بالكسائي النحوي وكان من أئمة القراء ، انظر غاية النهاية ( 1 / 295 ) . ( 4 ) البيت لجرير انظر ديوانه ، وهو من شواهد الكتاب ( 2 / 22 ) ، الخصائص ( 3 / 61 ) ، القرطبي ( 1 / 429 ) . ( 5 ) بلا تنوين . ( 6 ) أبيّ بن كعب بن قيس بن عبيد من بني النجار من الخزرج أبو المنذر صحابي أنصاري توفي سنة 21 ه ، غاية النهاية ( 1 / 31 ) ، حلية الأولياء ( 1 / 250 ) ، الأعلام ( 1 / 82 ) . ( 7 ) سورة يوسف ، آية ( 99 ) .