أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

238

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله : كُلُّ أُناسٍ قد تقدّم الكلام على أنه أصل الناس . وقال الزمخشري في سورة الأعراف « 1 » : إنه اسم جمع غير تكسير ، ثم قال : « ويجوز أن يكون الأصل الكسر ، والتكسير والضمة بدل من الكسرة ، كما أبدلت في سكارى من الفتحة وسيأتي تحرير البحث معه إن شاء اللّه تعالى في السورة المذكورة » . قوله : مَشْرَبَهُمْ مفعول ل « علم » بمعنى عرف ، والمشرب هنا موضع الشّرب ؛ لأنه روي أنه كان لكلّ سبط عين من اثنتي عشرة عينا لا يشركه فيها سبط غيره . وقيل : هو نفس المشروب . فيكون مصدرا واقعا موقع المفعول به . قوله : كُلُوا وَاشْرَبُوا هاتان الجملتان في محلّ نصب بقول مضمر ، تقديره : وقلنا لهم كلوا واشربوا ، وقد تقدّم تصريف « كل » وما حذف منه . قوله : مِنْ رِزْقِ اللَّهِ هذه من باب الإعمال لأنّ كلّ واحد من الفعلين يصح تسلّطه عليه ، وهو من باب إعمال الثاني للحذف من الأول ، والتقدير : وكلوا منه . و « من » يجوز أن تكون لابتداء الغاية وأن تكون للتبعيض ، ويجوز أن يكون مفعول الأكل محذوفا ، وكذلك مفعول الشّرب ، للدلالة عليهما ، والتقدير : كلوا المنّ والسّلوى ، لتقدّمهما في قوله : وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى « 2 » واشربوا ماء العيون المتفجرة ، وعلى هذا فالجارّ والمجرور يحتمل تعلّقه بالفعل قبله ، ويحتمل أن يكون حالا من ذلك المفعول المحذوف ، فيتعلّق بمحذوف . وقيل : المراد بالرزق الماء وحده ، ونسب الأكل إليه لمّا كان سببا في نماء ما يؤكل وحياته فهو رزق يؤكل منه ويشرب ، والمراد بالرزق المرزوق ، وهو يحتمل أن يكون من باب ذبح ورعي . وأن يكون من باب « درهم ضرب الأمير » ، وقد تقدّم بيان ذلك . قوله : وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ أصل « تعثوا » : تعثيوا ، فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت فالتقى ساكنان فحذف الأول منهما وهو الياء ، أو لمّا تحرّكت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفا ، فالتقى ساكنان فحذفت الألف وبقيت الفتحة تدلّ عليها وهذا أولى ، فوزنه تفعون . والعثيّ والعيث : أشدّ الفساد وهما متقاربان . وقال بعضهم : « إلّا أنّ العيث أكثر ما يقال فيما يدرك حسّا ، والعثيّ فيما يدرك حكما ، يقال : عثى يعثى عثيّا وهي لغة القرآن ، وعثا يعثو عثوّا وعاث يعيث عثيّا ، وليس عاث مقلوبا من عثى كجبذ وجذب لتفاوت معنييهما كما تقدّم ، ويحتمل ذلك ، ثم اختصّ كل واحد بنوع . ويقال : عثي يعثى عثيّا ومعاثا ، وليس عثي أصله عثو ، فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها كرضي من الرّضوان لثبوت العثيّ وإن توهّم بعضهم ذلك . وعثا كما تقدّم ، ويقال : عثّ يعثّ مضاعفا أي فسد ، ومنه : العثّة سوسة تفسد الصوف ، وأمّا « عتا » بالتاء المثنّاة فهو قريب من معناه وسيأتي الكلام عليه . و « مفسدين » حال من فاعل « تعثوا » ، وهي حال مؤكّدة ، لأنّ معناها قد فهم من عاملها ، وحسّن ذلك اختلاف اللفظين ، ومثله : ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ « 3 » ، هكذا قالوا ، ويحتمل أن تكون حالا مبيّنة ، لأنّ الفساد أعمّ والعثيّ أخصّ كما تقدّم ، ولهذا قال الزمخشري : « فقيل لهم : لا تتمادوا في الفساد في حال فسادكم » ، لأنهم كانوا متمادين فيه ، فغاير بينهما كما ترى .

--> ( 1 ) آية ( 82 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 57 ) . ( 3 ) سورة التوبة ، آية ( 25 ) .