أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

235

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

والبدل بمعنى واحد ، وبدّله غيره . ويقال : بدل وبدل كشبه وشبه ومثل ومثل ونكل ونكل ، قال أبو عبيدة : « لم يسمع في فعل وفعل غير هذه الأحرف » . قوله : « من السماء » يجوز فيه وجهان : أحدهما : أن يكون متعلّقا بأنزلنا ، و « من » لابتداء الغاية ، أي : من جهة السماء ، وهذا الوجه هو الظاهر . والثاني أن يكون صفة ل « رجزا » ، فيتعلق بمحذوف و « من » أيضا لابتداء الغاية . وقوله : « على الذين ظلموا » فأعادهم بذكرهم أولا ، ولم يقل « عليهم » تنبيها على أنّ ظلمهم سبب في عقابهم ، وهو من إيقاع الظاهر موقع المضمر لهذا الغرض . وإيقاع الظاهر موقع المضمر على ضربين : ضرب يقع بعد تمام الكلام كهذه الآية ، وقول الخنساء : 492 - تعرّقني الدّهر نهسا وحزّا * وأوجعني الدّهر قرعا وغمزا « 1 » أي : أصابتني نوائبه جمع ، وضرب يقع في كلام واحد نحو قوله : « الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ » « 2 » . وقول الآخر : 493 - ليت الغراب غداة ينعب دائبا * كان الغراب مقطّع الأوداج « 3 » وقد جمع عديّ بن زيد بين المعنيين فقال : 494 - لا أرى الموت يسبق الموت شيء * نغّص الموت ذا الغنى والفقيرا « 4 » وجاء في سورة الأعراف فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ « 5 » فجاء هنا بلفظ الإرسال وبالمضمر دون الظاهر ، وذلك أنه تعالى عدّد عليهم في هذه السورة نعما جسيمة كثيرة فكان توجيه الذمّ عليهم وتوبيخهم بكفرانها أبلغ من ثمّ ، حيث إنه لم يعدّد عليهم هناك ما عدّد هنا ، ولفظ الإنزال للعذاب أبلغ من لفظ الإرسال . والرّجز : العذاب ، وفيه لغة أخرى وهي ضمّ الراء ، وقرئ بهما « 6 » وقيل : المضموم اسم صنم ، ومنه : « وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ » « 7 » وذلك لأنه سبب العذاب . وقال الفراء : « الرّجز والرّجس - بالزاي والسين - بمعنى كالسّدغ والزّدغ ، والصحيح أن الرّجز : القذر وسيأتي بيانه ، والرّجز داء يصيب الإبل فترتعش منه ، ومنه بحر الرّجز في الشعر » . قوله : بِما كانُوا يَفْسُقُونَ متعلّق ب « أنزلنا » والباء للسببية و « ما » يجوز أن تكون مصدرية ، وهو الظاهر أي : بسبب فسقهم ، وأن تكون موصولة اسمية ، والعائد محذوف على التدريج المذكور في غير موضع ، والأصل يفسقونه ولا يقوى جعلها نكرة موصوفة ، وقال في سورة الإعراف : يَظْلِمُونَ » « 8 » تنبيها على أنهم جامعون بين هذين

--> ( 1 ) البيت في الديوان ( 143 ) ، أمالي الشجري ( 1 / 241 ) ، والحماسة الشجرية ( 1 / 323 ) ، القرطبي ( 1 / 416 ) . ( 2 ) سورة الحاقة ، آية ( 1 ) . ( 3 ) البيت لجرير انظر ديوانه وروايته فيه : ينعب بالنوى . . . * . . . أمالي ابن الشجري ( 1 / 243 ) ، الطبري ( 2 / 396 ) . ( 4 ) انظر ديوانه ( 65 ) ، وهو من شواهد الكتاب ( 1 / 30 ) ، الخصائص ( 3 / 53 ) ، أمالي ابن الشجري ( 1 / 334 ) ، الخزانة ( 1 / 183 ) . ( 5 ) آية ( 133 ) . ( 6 ) انظر ( 1 / 417 ) . ( 7 ) سورة المدثر ، آية ( 5 ) . ( 8 ) سورة الأعراف ، آية ( 162 ) .