أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

229

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الأولى في قوله : « فَتُوبُوا » للسببية ، لأن الظلم سبب التوبة ، والثانية للتعقيب ، لأنّ المعنى : فاعزموا على التوبة ، فاقتلوا أنفسكم ، والثالثة متعلقة بمحذوف ، ولا يخلو : إمّا أن ينتظم في قول موسى لهم فيتعلّق بشرط محذوف كأنه : وإن فعلتم فقد تاب عليكم ، وإمّا أن يكون خطابا من اللّه لهم على طريقة الالتفات ، فيكون التقدير : ففعلتم ما أمركم به موسى فتاب عليكم ، قاله الزمخشري . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 55 إلى 57 ] وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ( 55 ) ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 56 ) وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 57 ) قوله تعالى : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ : إنّما تعدّى باللام دون الباء لأحد وجهين : إمّا أن يكون التقدير : لن نؤمن لأجل قولك ، وإمّا أن يضمّن معنى الإقرار ، أي : لن نقرّ لك بما ادّعيته ، وقرأ أبو عمرو بإدغام النون في اللام لتقاربهما . قوله تعالى : جَهْرَةً فيه قولان : أحدهما : أنها مصدر وفيها حينئذ قولان : أحدهما أنّ ناصبها محذوف ، وهو من لفظها ، تقديره : جهرتم جهرة نقله أبو البقاء . والثاني : أنها مصدر من نوع الفعل فتنتصب انتصاب القرفصاء من قولك : « قعد القرفصاء » ، « واشتمل الصمّاء » « 1 » ، فإنها نوع من الرؤية ، وبه بدأ الزمخشري . والثاني : أنها مصدر واقع موقع الحال ، وفيها حينئذ أربعة أقوال : أحدهما : أنه حال من فاعل « نرى » أي : ذوي جهرة ، قاله الزمخشري . والثاني : أنّها حال من فاعل « قلتم » ، أي : قلتم ذلك مجاهرين ، قاله أبو البقاء ، وقال بعضهم : فيكون في الكلام تقديم وتأخير ، أي : قلتم جهرة لن نؤمن لك ، ومثل هذا لا يقال فيه تقديم وتأخير ، بل أتى بمفعول القول ثم بالحال من فاعله ، فهو نظير : « ضربت هندا قائما » . والثالث : أنّها حال من اسم اللّه تعالى ، أي : نراه ظاهرا غير مستور . والرابع : أنّها حال من فاعل « نؤمن » نقله ابن عطية ، ولا معنى له ، والصحيح من هذه الأقوال الستة الثاني .

--> ( 1 ) قال ابن منظور : وفي الحديث : أنه نهى عن اشتمال الصّمّاء ، قال : هو أن يتجلّل الرجل بثوبه ولا يرفع منه جانبا ، وإنما قيل لها صمّاء لأنه إذا اشتمل بها سدّ على يديه ورجليه المنافذ كلها ، كأنها لا تصل إلى شيء ولا يصل إليها شيء ، كالصخرة الصماء التي ليس فيها خرق ولا صدع . قال أبو عبيد : اشتمال الصماء : أن تجلّل جسدك بثوبك نحو : شملة الأعراب بأكسيتهم . . . راجع : اللسان : صمم ( 5202 ) .