أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
212
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
بنفسه نحو : وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ . ويجوز أن تكون الباء للحال أي : ملتبسين بالصبر ، والظاهر أنه يتعدّى بنفسه وبالباء تقول : استعنت اللّه واستعنت باللّه ، وقد تقدّم أن السين للطلب . والصبر : الحبس على المكروه ، ومنه : « قتل فلان بصبرا » ، قال : 432 - فصبرا في مجال الموت صبرا * فما نيل الخلود بمستطاع « 1 » قوله : وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ إنّ واسمها وخبرها ، والضمير في « إنها » قيل : يعود على الصلاة وإن تقدّم شيئان ، لأنها أغلب منه وأهمّ ، وهو نظير قوله : وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها أعاد الضمير على التجارة لأنها أهمّ وأغلب ، كذا قيل ، وفيه نظر ، لأنّ العطف ب « أو » فيجب الإفراد ، لكنّ المراد أنه ذكر الأهمّ من الشيئين فهو نظيرها من هذه الجهة . وقيل : يعود على الاستعانة المفهومة من الفعل نحو : اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ « 2 » . وقيل : على العبادة المدلول عليها بالصبر والصلاة ، وقيل : هو عائد على الصبر والصلاة ، وإن كان بلفظ المفرد ، وهذا ليس بشيء . وقيل : حذف من الأول لدلالة الثاني عليه ، وتقديره : وإنه لكبير ، نحو قوله : 433 - إنّ شرخ الشباب والشّعر الأس * ود ما لم يعاص كان جنونا « 3 » قوله : إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ استثناء مفرّع ، وجاز ذلك وإن كان الكلام مثبتا لأنه في قوة المنفيّ ، أي : لا تسهل ولا تخفّ إلّا على هؤلاء ، ف « على الخاشعين » متعلّق ب « كبيرة » نحو : « كبر عليّ هذا » أي : عظم وشقّ . والخشوع : الخضوع ، وأصله اللّين والسّهولة ، ومنه « الخشعة » للرّملة المتطامنة ، وفي الحديث : « كانت خشعة على الماء ثم دحيت بعد » أي : كانت الأرض لينة ، وقال النابغة : 434 - رماد ككحل العين لأيا أبينه * ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع « 4 » أي : عليه أثر الذلّ ، وفرّق بعضهم بين الخضوع والخشوع ، فقال : الخضوع في البدن خاصة ، والخشوع في البدن والصوت والبصر فهو أعمّ منه . قوله تعالى : الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ : « الذين » يحتمل موضعه الحركات الثلاث ، فالجرّ على أنه تابع لما قبله نعتا ، وهو الظاهر ، والرفع والنصب على القطع ، وقد تقدّم معناه . وأصل الظنّ : رجحان أحد الطرفين وأمّا هذه الآية ففيها قولان : أحدهما - وعليه الأكثر - أنّ الظنّ ههنا بمعنى اليقين ومثله : إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ « 5 » ، وقوله : 435 - فقلت لهم ظنّوا بألفي مدجّج * سراتهم في الفارسيّ المسرّد « 6 » وقال أبو دؤاد :
--> ( 1 ) البيت لقطري بن الفجاءة انظر أمالي المرتضى ( 1 / 236 ) ، التصريح ( 1 / 331 ) ، العيني ( 3 / 51 ) ، حاشية يس ( 1 / 330 ) ، الأشموني ( 2 / 117 ) . ( 2 ) سورة المائدة ، آية ( 8 ) . ( 3 ) البيت لحسان انظر ديوانه ( 236 ) ، أمالي ابن الشجري ( 1 / 309 ) ، اللسان شرخ . ( 4 ) البيت في ديوانه ( 43 ) ، القرطبي ( 1 / 374 ) . ( 5 ) سورة الحاقة ، آية ( 20 ) . ( 6 ) البيت لدريد بن الصمة انظر الأصمعيات ( 107 ) ، الحماسة ( 1 / 397 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 7 / 81 ) ، القرطبي ( 1 / 375 ) ، اللسان « ظنن » .