أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
189
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
عطف عليه ، هذا مذهب البصريين ، أعني : اشتراط الفصل بين المتعاطفين إذا كان المعطوف عليه ضميرا مرفوعا متصلا ، ولا يشترط أن يكون الفاصل توكيدا ، [ بل ] أيّ فصل كان ، نحو : ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا « 1 » . وأمّا الكوفيون فيجيزون ذلك من غير فاصل وأنشدوا : 369 - قلت إذ أقبلت وزهر تهادى * كنعاج الفلا تعسّفن رملا « 2 » وهذا عند البصريين ضرورة لا يقاس عليه . وقد منع بعضهم أن يكون « زوجك » عطفا على الضمير المستكنّ في « اسكن » وجعله من عطف الجمل ، بمعنى أن يكون « زوجك » مرفوعا بفعل محذوف ، أي : ولتسكن زوجك ، فحذف لدلالة « اسكن » عليه ، ونظّره بقوله تعالى : « لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ » ، وزعم أنه مذهب سيبويه ، وكأن شبهته في ذلك أنّ من حقّ المعطوف حلوله محلّ المعطوف عليه ، ولا يصحّ هنا حلول « زوجك » محلّ الضمير ، لأنّ فاعل فعل الأمر الواحد المذكّر نحو : قم واسكن لا يكون إلّا ضميرا مستترا ، وكذلك فاعل نفعل ، فكيف يصحّ وقوع الظاهر موقع المضمر الذي قبله ؟ وهذا الذي زعمه ليس بشيء لأنّ مذهب سيبويه بنصّه يخالفه ، ولأنه لا خلاف في صحّة : « تقوم هند وزيد » ، ولا يصحّ مباشرة زيد ل « تقوم » لتأنيثه . والسكون والسّكنى : الاستقرار . ومنه : المسكين لعدم استقراره وحركته وتصرّفه ، والسّكّين لأنها تقطع حركة المذبوح ، والسّكينة لأنّ بها يذهب القلق . و « الجنّة » مفعول به لا ظرف ، نحو : سكنت الدار . وقيل : هي ظرف على الاتساع ، وكان الأصل تعديته إليها ب « في » ، لكونها ظرف مكان مختصّ ، وما بعد القول منصوب به . قوله : وَكُلا مِنْها رَغَداً هذه الجملة عطف على « اسكن » فهي في محلّ نصب بالقول ، وأصل كل : اأكل بهمزتين : الأولى همزة وصل ، والثانية فاء الكلمة فلو جاءت هذه الكلمة على هذا الأصل لقيل : أوكل بإبدال الثانية حرفا مجانسا لحركة ما قبلها ، إلا أنّ العرب حذفت فاءه في الأمر تخفيفا فاستغنت حينئذ عن همزة الوصل فوزنه عل ، ومثله : خذ ومر ، ولا يقاس على هذه الأفعال غيرها لا تقول من أجر : جر . ولا تردّ العرب هذه الفاء في العطف بل تقول : قم وخذ وكل ، إلا « مر » فإنّ الكثير ردّ فائه بعد الواو والفاء قال تعالى : وَأْمُرْ قَوْمَكَ « 3 » و وَأْمُرْ أَهْلَكَ « 4 » ، وعدم الردّ قليل ، وقد حكى سيبويه : « اؤكل » على الأصل وهو شاذّ . وقال ابن عطية : « حذفت النون من « كلا » للأمر » وهذه العبارة موهمة لمذهب الكوفيين من أنّ الأمر عندهم معرب على التدريج كما تقدّم ، وهو عند البصريين محمول على المجزوم ، فإن سكّن المجزوم سكّن الأمر منه ، وإن حذف منه حرف حذف من الأمر . و « منها » متعلّق به ، و « من » للتبعيض ، ولا بد من حذف مضاف أي : من ثمارها ، ويجوز أن تكون « من » لابتداء الغاية وهو أحسن ، و « رغدا » نعت لمصدر محذوف . وقد تقدّم أن مذهب سيبويه في هذا ونحوه أن ينتصب حالا ، وقيل هو مصدر في موضع الحال أي : كلا طيّبين مهنّأين . وقرئ : « رغدا » بسكون الغين وهي لغة تميم . وقال بعضهم : كل فعل حلقيّ العين صحيح اللام يجوز
--> ( 1 ) سورة الأنعام ، آية ( 148 ) . ( 2 ) البيت لعمر بن أبي ربيعة . انظر ملحق ديوانه ( 498 ) ، الدرر ( 2 / 191 ) ، شرح ابن عقيل ( 2 / 188 ) . ( 3 ) سورة الأعراف ، آية ( 145 ) . ( 4 ) سورة طه ، آية ( 132 ) .