أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
186
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والمشهور جرّ تاء « الملائكة » بالحرف ، وقرأ أبو جعفر « 1 » بالضمّ اتباعا لضمة الجيم « 2 » ، ولم يعتدّ بالساكن ، وغلّطه الزجّاج ، وخطّأه الفارسي ، وشبّهه بعضهم بقوله تعالى : « وَقالَتِ اخْرُجْ » بضم تاء التأنيث ، وليس بصحيح لأنّ تلك حركة التقاء الساكنين وهذه حركة إعراب فلا يتلاعب بها ، والمقصود هناك يحصل بأيّ حركة كانت . وقال الزمخشري : « لا يجوز استهلاك الحركة الإعرابية إلا في لغة ضعيفة كقراءة : « الحمد للّه » يعني بكسر الدال » ، قلت : وهذا أكثر شذوذا ، وأضعف من ذاك مع ما في ذاك من الضعف المتقدّم ، لأنّ هناك فاصلا وإن كان ساكنا ، وقال أبو البقاء : « وهي قراءة ضعيفة جدا ، وأحسن ما تحمل عليه أن يكون الراوي لم يضبط عن القارئ وذلك أن القارئ أشار إلى الضمّ تنبيها على أنّ الهمزة المحذوفة مضمومة في الابتداء فلم يدرك الراوي هذه الإشارة . وقيل : إنه نوى الوقف على التاء ساكنة ثم حرّكها بالضم اتباعا لحركة الجيم ، وهذا من إجراء الوصل مجرى الوقف . ومثله : ما روي عن امرأة رأت رجلا مع نساء فقالت : « أفي سوءة أنتنّه » نوت الوقف على « سوءة » فسكّنت التاء ثم ألقت عليها حركة همزة « أنتنّ » . قلت : فعلى هذا تكون هذه الحركة حركة التقاء ساكنين ، وحينئذ يكون كقوله : « قالت اخرج » وبابه ، وإنما أكثر الناس توجيه هذه القراءة لجلالة قارئها أبي جعفر يزيد بن القعقاع شيخ نافع شيخ أهل المدينة ، وترجمتهما مشهورة . و « اسجدوا » في محلّ نصب بالقول ، واللام في « لآدم » الظاهر أنها متعلقة باسجدوا ، ومعناها التعليل أي لأجله وقيل : بمعنى إلى ، أي : إلى جهته لأنه جعل قبلة لهم ، والسجود للّه . وقيل : بمعنى مع لأنه كان إمامهم كذا نقل ، وقيل : اللام للبيان فتتعلّق بمحذوف ولا حاجة إلى ذلك . و « فسجدوا » الفاء للتعقيب ، والتقدير : فسجدوا له ، فحذف الجارّ للعلم به . قوله تعالى : إِلَّا إِبْلِيسَ [ إلا ] حرف استثناء ، و « إبليس » نصب على الاستثناء . وهل نصبه بإلّا وحدها أو بالفعل وحده أو به بوساطة إلا ، أو بفعل محذوف أو ب « أنّ » ؟ أقوال ، وهل هو استثناء متصل أو منقطع ؟ خلاف مشهور ، والأصحّ أنه متصل . وأمّا قوله تعالى : « إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ » « 3 » فلا يردّ هذا لأنّ الملائكة قد يسمّون جنّا لاجتنانهم قال : 359 - وسخّر من جنّ الملائك تسعة * قياما لديه يعملون بلا أجر « 4 » وقال تعالى : وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً « 5 » يعني الملائكة . واعلم أنّ المستثنى على أربعة أقسام : قسم واجب النصب ، وقسم واجب الجرّ ، وقسم جائز فيه النصب والجرّ ، وقسم جائز فيه النصب والبدل ممّا قبله والأرجح البدل . القسم الأول : المستثنى من الموجب والمقدّم والمكرر والمنقطع عند الحجاز مطلقا ، والواقع بعد لا يكون وليس وما خلا وما عدا عند غير الجرميّ « 6 » ، نحو : قام القوم إلا زيدا ، ما قام إلا زيدا القوم ، وما قام أحد إلا زيدا إلا
--> ( 1 ) يزيد بن القعقاع المخزومي بالولاء المدني أبو جعفر أحد القراء العشرة من التابعين ، كان إمام أهل المدينة في القراءة وعرف بالقارئ وكان من المفتين المجتهدين ، توفي في المدينة سنة 132 ه . غاية النهاية ( 2 / 382 ) ، الأعلام ( 8 / 186 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 152 ) . ( 3 ) سورة الكهف ، آية ( 50 ) . ( 4 ) البيت للأعشى وليس في ديوانه . الطبري ( 1 / 506 ) . ( 5 ) سورة الصافات ، آية ( 158 ) . ( 6 ) صالح بن إسحاق أبو عمر الجرمي البصريّ مولى جرم بن زبان من قبائل اليمن انتهى إليه علم النحو في زمانه ، توفي سنة خمس وعشرين ومائتين . البغية ( 2 / 8 - 9 ) .