أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

174

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

لمعنى وهو شبهها بأفعل التفضيل بجامع ما فيها من معنى المبالغة ، وأفعل التفضيل له حكم في التعدّي ، فأعطيت أمثلة المبالغة ذلك الحكم : وهو أنها لا تخلو من أن تكون من فعل متعدّ بنفسه أولا ، فإن كان الأول : فإمّا أن يفهم علما أو جهلا أو لا ، فإن كان الأول تعدّت بالباء نحو : هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ « 1 » وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ « 2 » وزيد جهول بك وأنت أجهل به . وإن كان الثاني تعدّت باللام نحو : أنا أضرب لزيد منك وأنا له ضرّاب ، ومنه فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ « 3 » ، وإن كانت من متعدّ بحرف جر تعدّت هي بذلك الحرف نحو : أنا أصبر على كذا ، وأنا صبور عليه ، وأزهد فيه منك ، وزهيد فيه . وهذا مقرر في علم النحو . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 30 ] وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ( 30 ) قوله تعالى : وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ : « إذ » ظرف زمان ماض ، يخلّص المضارع للمضيّ وبني لشبهه بالحرف في الوضع والافتقار ، وتليه الجمل مطلقا ، فإذا كانت الجملة فعلية قبح تقديم الاسم وتأخير الفعل نحو : إذ زيد قام ، ولا يتصرّف إلا بإضافة الزمن إليه نحو : يومئذ وحينئذ ، ولا يكون مفعولا به ، وإن قال به أكثر المعربين ، فإنهم يقدّرون : اذكر وقت كذا ، ولا ظرف مكان ولا زائدا ولا حرفا للتعليل ولا للمفاجأة خلافا لزاعمي ذلك ، وقد تحذف الجملة المضاف هو إليها للعلم ويعوّض منها تنوين كقوله تعالى : وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ « 4 » ، وليس كسرته والحالة هذه كسرة إعراب ولا تنوينه تنوين صرف خلافا للأخفش ، بل الكسر لالتقاء الساكنين والتنوين للعوض بدليل وجود الكسر ولا إضافة قال : 331 - نهيتك عن طلابك أمّ عمرو * بعاقبة وأنت إذ صحيح « 5 » وللأخفش أن يقول : أصله « وأنت حينئذ » فلمّا حذف المضاف بقي المضاف إليه على حاله ولم يقم مقامه ، نحو : « وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ » « 6 » بالجر ، إلا أنه ضعيف . و « قالَ رَبُّكَ » جملة فعلية في محلّ خفض بإضافة الظرف إليها . واعلم أنّ « إذ » فيه تسعة أوجه : أحسنها أنه منصوب ب قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها أي : قالوا ذلك القول وقت قول اللّه تعالى لهم : إني جاعل في الأرض خليفة ، وهذا أسهل الأوجه . الثاني : أنه منصوب ب ( اذكر ) مقدرا وقد تقدّم أنه لا يتصرّف فلا يقع مفعولا .

--> ( 1 ) سورة النجم ، آية ( 32 ) . ( 2 ) سورة الحديد ، آية ( 6 ) . ( 3 ) سورة هود ، آية ( 107 ) . ( 4 ) سورة الواقعة ، آية ( 84 ) . ( 5 ) البيت لأبي ذؤيب الهذلي ( 1 / 68 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 9 / 31 ) ، الخصائص ( 2 / 376 ) ، المغني ( 91 ) ، اللسان ( شلل ) . ( 6 ) سورة الأنفال ، آية ( 67 ) .