أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
170
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
إنكارا لوجوده على الطريق البرهاني » . وفي الكلام التفات من الغيبة في قوله : « وأمّا الذين كفروا إلى آخره ، إلى الخطاب في قوله : « تكفرون ، وكنتم » . وفائدته أنّ الإنكار إذا توجّه إلى المخاطب كان أبلغ . وجاء « تكفرون » مضارعا لا ماضيا لأنّ المنكر الدوام على الكفر ، والمضارع هو المشعر بذلك ، ولئلا يكون ذلك توبيخا لمن آمن بعد كفر . و « كفر » يتعدّى بحرف الجر نحو : تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ « 1 » كَفَرُوا بِالذِّكْرِ « 2 » ، وقد تعدّى بنفسه في قوله تعالى : أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ « 3 » وذلك لمّا ضمّن معنى جحدوا . قوله : وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ الواو واو الحال ، وعلامتها أن يصلح موضعها « إذ » ، وجملة « كنتم أمواتا » في محلّ نصب على الحال ، ولا بد من إضمار « قد » ليصحّ وقوع الماضي حالا . وقال الزمخشري : « فإن قلت : كيف صحّ أن يكون حالا وهو ماض بها ؟ قلت : لم تدخل الواو على « كنتم أمواتا » وحده ، ولكن على جملة قوله : « كنتم أمواتا » إلى « ترجعون » ؛ كأنه قيل : كيف تكفرون باللّه وقصتكم هذه وحالكم أنكم كنتم أمواتا نطفا في أصلاب آبائكم فجعلكم أحياء ، ثم يميتكم بعد هذه الحياة ، ثم يحييكم بعد الموت ثم يحاسبكم » . ثم قال : « فإن قلت : بعض القصة ماض وبعضها مستقبل ، والماضي والمستقبل كلاهما لا يصحّ أن يقع حالا حتى يكون فعلا حاضرا وقت وجودها هو حال عنه فما الحاضر الذي وقع حالا ؟ قلت : هو العلم بالقصة كأنه قيل : كيف تكفرون وأنتم عالمون بهذه القصة بأولها وبآخرها » ؟ قال الشيخ « 4 » ما معناه : هذا تكلّف ، يعني تأويله هذه الجملة بالجملة الاسمية . قال : « والذي حمله على ذلك اعتقاده أنّ الجمل مندرجة في حكم الجملة الأولى » . قال : « ولا يتعيّن ، بل يكون قوله تعالى : « ثُمَّ يُمِيتُكُمْ » وما بعده جملا مستأنفة أخبر بها تعالى لا داخلة تحت الحال ، ولذلك غاير بينها وبين ما قبلها من الجمل بحرف العطف وصيغة الفعل السابقين لها في قوله : وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ . والفاء في قوله : « فَأَحْياكُمْ » على بابها من التعقيب ، و « ثم » على بابها من التراخي ، لأنّ المراد بالموت الأول العدم السابق ، وبالحياة الأولى الخلق ، وبالموت الثاني الموت المعهود ، وبالحياة الثانية الحياة للبعث ، فجاءت الفاء و « ثم » على بابهما من التعقيب والتراخي على هذا التفسير وهو أحسن الأقوال ، ويعزى لابن عباس وابن مسعود ومجاهد « 5 » ، والرجوع إلى الجزاء أيضا متراخ عن البعث . والضمير في « إليه » للّه تعالى ، وهذا ظاهر لأنه كالضمائر قبله وثمّ مضاف محذوف أي : إلى ثوابه وعقابه . وقيل : على الجزاء على الأعمال . وقيل : على المكان الذي يتولّى اللّه فيه الحكم بينكم . وقيل : على الإحياء المدلول عليه بأحياكم ، يعني أنكم ترجعون إلى الحال الأولى التي كنتم عليها في ابتداء الحياة الأولى من كونكم لا تملكون لأنفسكم شيئا .
--> ( 1 ) سورة آل عمران ، آية ( 70 ) . ( 2 ) سورة فصلت ، آية ( 41 ) . ( 3 ) سورة هود ، آية ( 68 ) . ( 4 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 130 ) . ( 5 ) مجاهد بن جبر ، أبو الحجاج المكي مولى بني مخزوم تابعي ثقة مفسر من أهل مكة . قال الذهبي : شيخ القراء والمفسرين ، توفي سنة 104 ه . غاية النهاية ( 2 / 41 ) ، ميزان الاعتدال ( 3 / 9 ) ، حلية الأولياء ( 3 / 279 ) ، الأعلام ( 5 / 278 ) .