أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

161

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ انطوى تحته ذكر ما رزقوه في الدارين . ونظير ذلك قوله تعالى : إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما « 1 » أي : بجنسي الغنيّ والفقير المدلول عليهما بقوله : غنيا أو فقيرا » . انتهى . قلت : يعني بقوله : « انطوى تحته ذكر ما رزقوه في الدارين » أنه لمّا كان التقدير : مثل الذي رزقناه كان قد انطوى على المرزوقين معا كما أنّ قولك : « زيد مثل حاتم » منطو على زيد وحاتم . قال الشيخ « 2 » : « وما قاله غير ظاهر ، لأنّ الظاهر عوده على المرزوق في الآخرة فقط ، لأنه هو المحدّث عنه ، والمشبّه بالذي رزقوه من قبل ، لا سيما إذا فسّرت القبليّة بما في الجنة ، فإنه يتعيّن عوده على المرزوق في الجنة فقط ، وكذلك إذا أعربت الجملة حالا ، إذ يصير التقدير : قالوا : هذا الذي رزقنا من قبل وقد أتوا به ، لأنّ الحامل لهم على هذا القول كونه أتوا به متشابها وعلى تقدير أن يكون معطوفا على « قالوا » لا يصحّ عوده على المرزوق في الدارين لأنّ الإتيان إذ ذاك يستحيل أن يكون ماضيا معنى ، لأنّ العامل في « كلما » وما في حيّزها يتعيّن هنا أن يكون مستقبل المعنى ، لأنها لا تخلو من معنى الشرط ، وعلى تقدير كونها مستأنفة لا يظهر ذلك أيضا لأنّ هذه الجمل محدّث بها عن الجنة وأحوالها » . وقوله « متشابها » حال من الضمير في « به » . قوله : وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ « لهم » خبر مقدّم و « أزواج » مبتدأ و « فيها » متعلّق بالاستقرار الذي تعلّق به الخبر . قال أبو البقاء : « ولا يكون « فيها » الخبر لأنّ الفائدة تقلّ ، إذ الفائدة في جعل الأزواج لهم » . وقوله : « مطهّرة » صفة وأتى بها مفردة على حدّ : « النساء طهرت » ، ومنه قول الشاعر : 299 - وإذا العذارى بالدّخان تلفّعت * واستعجلت نصب القدور فملّت « 3 » وقرئ : « مطهّرات » « 4 » على حدّ : النساء طهرن . والزوج : ما يكون معه آخر ، ويقال : « زوج » للرجل والمرأة ، وأمّا « زوجة » فقليل ، ونقل الفراء أنها لغة تميم ، وأنشد للفرزدق : 300 - وإنّ الذي يسعى ليفسد زوجتي * كساع إلى أسد الشّرى يستبيلها « 5 » وفي الحديث عن عمّار بن ياسر في حقّ عائشة رضي اللّه عنهما : « واللّه إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة » ، ذكره البخاري « 6 » ، واختاره الكسائي ، والزوج أيضا : الصّنف ، والتثنية : زوجان ، والطهارة : النظافة ، والفعل منها طهر بالفتح ويقلّ بالضم ، واسم الفاعل منها « طاهر » فهو مقيس على الأول شاذ على الثاني كخاثر وحامض من خثر اللبن وحمض بضمّ العين . قوله : وَهُمْ فِيها خالِدُونَ « هم » مبتدأ ، و « خالدون » خبره ، و « فيها » متعلق به ، وقدّم ليوافق رؤوس الآي . وأجازوا أن يكون « فيها » خبرا أول ، و « خالدون » خبر ثان ، وليس هذا بسديد . وهذه الجملة والتي قبلها عطف على الجملة قبلها حسب ما تقدّم . وقال أبو البقاء : « وهاتان الجملتان مستأنفتان ، ويجوز أن تكون الثانية حالا

--> ( 1 ) سورة النساء ، آية ( 135 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 115 ) . ( 3 ) البيت لسلمى بن ربيعة الضبي . انظر الحماسة ( 1 / 286 ) ، الهمع ( 1 / 60 ) ، الدرر ( 1 / 35 ) ، الكشاف ( 4 / 350 ) . ( 4 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 117 ) . ( 5 ) انظر ديوانه ( 138 ) ، الأضداد ( 327 ) . ( 6 ) أخرجه البخاري ( 7 / 133 ) ، كتاب الفضائل ، باب فضائل عائشة رضي اللّه عنها ( 3772 ) ، ( 7100 ، 7101 ) .