أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
150
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
و « لكم » يحتمل التعلّق ب « أخرج » ، ويحتمل التعلّق بمحذوف ، على أن يكون صفة ل « رزقا » ، هذا إن أريد بالرزق المرزوق ، وإن أريد به المصدر فيحتمل أن تكون الكاف في « لكم » مفعولا بالمصدر واللام مقوية له ، نحو : « ضربت ابني تأديبا له » أي : تأديبه . قوله تعالى : فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً الفاء للتسبّب ، أي : تسبّب عن إيجاد هذه الآيات الباهرة النهي عن اتخاذكم الأنداد . و « لا » ناهية و « تجعلوا » مجزوم بها ، علامة جزمه حذف النون ، وهي هنا بمعنى تصيّروا . وأجاز أبو البقاء أن تكون بمعنى تسمّوا . وعلى القولين فيتعدّى لاثنين أولهما : أندادا ، وثانيهما : الجارّ والمجرور قبله ، وهو واجب التقديم . و « أندادا » جمع ندّ ، وقال أبو البقاء : « أندادا جمع ند ونديد » وفي جعله جمع نديد نظر ، لأن أفعالا لا يحفظ في فعيل بمعنى فاعل ، نحو : شريف وأشراف ولا يقاس عليه . والنّدّ : المقاوم المضاهي ، سواء كان مثلا أو ضدّا أو خلافا وقيل : هو الضدّ عن أبي عبيدة ، وقيل : الكفء والمثل ، قال حسان : 267 - أتهجوه ولست له بندّ * فشرّكما لخير كما الفداء « 1 » أي : لست له بكفء ، وقد روي ذلك ، وقال آخر : 268 - نحمد اللّه ولا ندّ له * عنده الخير وما شاء فعل « 2 » وقال الزمخشري : « النّد المثل ، ولا يقال إلا للنّدّ المخالف ، قال جرير : 269 - أتيما تجعلون إليّ ندّا * وما تيم لذي حسب نديد « 3 » وناددت الرجل خالفته ونافرته من : ندّ يندّ ندودا أي نفر » . انتهى ، ويقال « نديدة » على المبالغة ، قال لبيد : 270 - لكيلا يكون السّندريّ نديدتي * وأجعل أقواما عموما عماعما « 4 » وأمّا النّدّ - بفتح النون - فهو التل المرتفع ، والنّدّ الطّيب أيضا ، ليس بعربي . وهذه الجملة متعلقة من حيث المعنى بقوله : « اعبدوا » ، لأنّ أصل العبادة التوحيد ، ويجوز أن يتعلّق ب « الذي » إذا جعلته خبر مبتدأ محذوف ، أي هو الذي جعل لكم هذه الآيات العظيمة والدلائل النّيّرة الشاهدة بالوحدانية فلا تجعلوا له أندادا . وقال الزمخشري : « يتعلّق ب « لعلّكم » على أن ينتصب « تجعلوا » انتصاب « فأطّلع » « 5 » في قراءة حفص ، أي : خلقكم لكي تتّقوا وتخافوا عقابه فلا تشبّهوه بخلقه ، فعلى قوله : تكون « لا » نافية ، والفعل بعدها منصوب بإضمار « أن » في جواب الترجّي ، وهذا لا يجيزه البصريون ، وسيأتي تأويل « فأطّلع » ونظائره في موضعه إن شاء اللّه تعالى . قوله تعالى : وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ جملة من مبتدأ وخبر في محلّ نصب على الحال ، ومفعول العلم متروك لأنّ المعنى : وأنتم من أهل العلم ، أو حذف اختصارا أي : وأنتم تعلمون بطلان ذلك . والاسم من « أنتم » قيل : أن ، والتاء حرف خطاب يتغيّر بحسب المخاطب . وقيل : بل التاء هي الاسم وأن عماد قبلها . وقيل : بل هو ضمير برمّته
--> ( 1 ) انظر ديوانه ( 60 ) . ( 2 ) البيت للبيد بن ربيعة . انظر ديوانه ( 174 ) ، القرطبي ( 1 / 230 ) . ( 3 ) البيت في ديوانه ( 164 ) ، الكشاف ( 4 / 366 ) ، مجالس العلماء ( 114 ) . ( 4 ) انظر ديوانه ( 286 ) ، القرطبي ( 1 / 231 ) . ( 5 ) سورة غافر ، آية ( 37 ) .