أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
148
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
ولا تنصب الاسمين على الصحيح ، وقد تدخل « أن » في خبرها حملا على « عسى » ، قال : 265 - لعلّك يوما أن تلمّ ملمّة « 1 » وقد تأتي للاستفهام والتعليل كما تقدّم ، ولكنّ أصلها أن تكون للترجّي والطمع في المحبوبات والإشفاق في المكروهات كعسى ، وفيها كلام أطول من هذا يأتي مفصّلا في غضون هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى . وأصل تتّقون : توتقيون لأنه من الوقاية ، فأبدلت الواو تاء قبل تاء الافتعال ، وأدغمت فيها ، وقد تقدّم ذلك في « المتقين » ، ثم استثقلت الضمة على الياء فقدّرت ، فسكنت الياء والواو بعدها ، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين ، وضمّت القاف لتجانسها ، فوزنه الآن : تفتعون . وهذه الجملة أعني « لعلكم تتقون » لا يجوز أن تكون حالا لأنها طلبية ، وإن كانت عبارة بعضهم توهم ذلك . ومفعول تتّقون محذوف أي « تتّقون » الشرك أو النار . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 22 إلى 23 ] الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 22 ) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 23 ) قوله تعالى : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ : « الَّذِي » تحتمل النصب والرفع . فالنصب من خمسة أوجه : أظهرها : أن يكون نصبه على القطع . الثاني : أنه نعت لربكم . الثالث : أنه بدل منه . الرابع : أنه مفعول « تتقون » وبه بدأ أبو البقاء . الخامس : أنه نعت النعت أي : الموصول الأول ، لكن المختار أن النعت لا ينعت بل إن جاء ما يوهم ذلك جعل نعتا للأول ، إلا أن يمنع مانع فيكون نعتا للنعت نحو قولهم : « يا أيّها الفارس ذو الجمّة » ، فذو الجمّة نعت للفارس لا ل « أيّ » لأنها لا تنعت إلا بما تقدّم ذكره . والرفع من وجهين : أحدهما - وهو الأصح - أنه خبر مبتدأ محذوف أي : هو الذي جعل . والثاني أنه مبتدأ وخبره قوله بعد ذلك : « فلا تجعلوا » . وهذا فيه نظر من وجهين ، أحدهما : أنّ صلته ماضية فلم يشبه الشرط فلا تزاد في خبره الفاء ، الثاني : عدم الرابط إلا أن يقال بمذهب الأخفش وهو أن يجعل الربط مكرّر الاسم الظاهر إذا كان بمعناه نحو : « زيد قام أبو عبد اللّه » ، إذا كان أبو عبد اللّه كنية لزيد ، وكذلك هنا أقام الجلالة مقام الضمير كأنه قال : الذي جعل لكم فلا تجعلوا له أندادا . و « جعل » فيها وجهان ، أحدهما : أن تكون بمعنى صيّر فتتعدّى لمفعولين فيكون « الأرض » مفعولا أول ، و « فراشا » مفعولا ثانيا . والثاني : أن تكون بمعنى « خلق » فتتعدّى لواحد وهو « الأرض » ويكون « فراشا » حالا وَالسَّماءَ بِناءً عطف على الْأَرْضَ فِراشاً على التقديرين المتقدّمين ، و « لكم » متعلّق بالجعل أي
--> ( 1 ) البيت لم أعثر عليه .