أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

146

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وقرأ زيد بن علي « 1 » : « والذين من قبلكم » بفتح الميم . قال الزمخشري : ووجهها على إشكالها أن يقال : أقحم الموصول الثاني بين الأول وصلته تأكيدا ، كما أقحم جرير في قوله : 260 - يا تيم تيم عديّ لا أبالكم « 2 » * . . . تيما الثاني بين الأول وما أضيف إليه ، وكإقحامهم لام الإضافة بين المضاف والمضاف إليه في نحو : لا أبالك ، قيل : « هذا الذي قاله مذهب لبعضهم ومنه قوله : 261 - من النفر اللاء الذين إذا هم * يهاب اللّئام حلقة الباب قعقعوا « 3 » فإذا وجوابها صلة « اللاء » ، ولا صلة للذين لأنه توكيد للأول . إلا أنّ بعضهم « 4 » يردّ هذا القول ويجعله فاسدا ، من جهة أنه لا يؤكّد الحرف إلا بإعادة ما اتصل به فالموصول أولى بذلك ، وخرج الآية والبيت على أن « من قبلكم » صلة للموصول الثاني ، والموصول الثاني وصلته خبر لمبتدأ محذوف ، والمبتدأ وخبره صلة الأول ، والتقدير : والذين هم من قبلكم ، وكذا البيت ، تجعل « إذا » وجوابها صلة للذين ، والذين خبر لمبتدأ محذوف ، وذلك المبتدأ وخبره صلة للّاء ، ولا يخفى ما في هذا من التعسّف . والخلق يقال باعتبارين : أحدهما : الإبداع والاختراع ، وهذه الصفة ينفرد بها الباري تعالى . والثاني : التقدير ، قال زهير : 262 - ولأنت تفري ما خلقت وبع * ض القوم يخلق ثم لا يفري « 5 » وقال الحّجاج : « ما خلقت إلّا فريت ولا وعدت إلا وفيت » . وهذه الصفة لا يختصّ بها اللّه تعالى ، وقد غلط أبو عبد اللّه البصري « 6 » في أنه لا يطلق اسم الخالق على اللّه تعالى ، قال : لأنه محال ، وذلك أن التقدير والتسوية في حق اللّه تعالى ممتنعان ، لأنهما عبارة عن التفكّر والظنّ ، وكأنه لم يسمع قوله تعالى : هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ « 7 » اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ « 8 » . وكأنه لم يعلم أنّ الخلق يكون عبارة عن الإنشاء والاختراع .

--> ( 1 ) زيد بن علي العجلي من القراء الحاذقين ، توفي سنة 358 ه . غاية النهاية ( 1 / 298 ) . ( 2 ) صدر بيت . انظر ديوانه ( 211 ) وعجزه : . . . * لا يوقعنكم في سوءة عمر وهو من شواهد المقتضب ( 4 / 229 ) ، الخصائص ( 1 / 345 ) ، النوادر ( 139 ) ، الأزهية ( 247 ) ، العيني ( 4 / 240 ) ، أمالي ابن الشجري ( 2 / 83 ) . ( 3 ) البيت لعبادة بن طهفة . انظر الكامل ( 155 ) ، اللسان ( لوى ) . ( 4 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 95 ) . ( 5 ) البيت في ديوانه ( 94 ) ، البحر ( 1 / 93 ) ، القرطبي ( 1 / 226 ) . ( 6 ) الحسين بن علي البصري أبو عبد اللّه ، توفي سنة 369 ه . المنتظم ( 7 / 101 ) ، الشذرات ( 3 / 68 ) ، الأعلام ( 2 / 244 ) . ( 7 ) سورة الحشر ، آية ( 24 ) . ( 8 ) سورة الزمر ، آية ( 62 ) .