أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
137
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أحدها : أن يكون صفة ل « صيّب » . الثاني : أن يكون حالا منه ، وإن كان نكرة لتخصّصه : إمّا بالعمل في الجار بعده ، أو بصفة بالجار بعده . الثالث : أن يكون حالا من الضمير المستكنّ في « من السماء » إذا قيل إنه صفة لصيّب ، فيتعلّق في التقادير الثلاثة بمحذوف ، إلّا أنه على القول الأول في محلّ جرّ لكونه صفة لمجرور ، وعلى القولين الأخيرين في محلّ نصب على الحال . و « ظلمات » على جميع هذه الأقوال فاعل به لأنّ الجارّ والمجرور والظرف متى اعتمدا على موصوف أو ذي حال أو ذي خبر أو على نفي أو استفهام عملا عمل الفعل ، والأخفش يعملهما مطلقا كالوصف ، وسيأتي تحرير ذلك . الرابع : أن يكون خبرا مقدّما و « ظلمات » مبتدأ ، والجملة تحتمل وجهين : الجرّ على أنها صفة لصيّب . والثاني : النصب على الحال ، وصاحب الحال يحتمل أن يكون « كصيّب » وإن كان نكرة لتخصيصه بما تقدّمه ، وأن يكون الضمير المستكنّ في « من السماء » إذا جعل وصفا لصيّب ، والضمير في « فيه » ضمير الصيّب . واعلم أنّ جعل الجارّ صفة أو حالا ، ورفع « ظلمات » على الفاعلية به أرجح من جعل « فيه ظلمات » جملة برأسها في محلّ صفة أو حال ، لأنّ الجارّ أقرب إلى المفرد من الجملة ، وأصل الصفة والحال أن يكونا مفردين . « ورعد وبرق » معطوفان على « ظلمات » بالاعتبارين المتقدمين ، وهما في الأصل مصدران تقول : رعدت السماء ترعد رعدا وبرقت برقا ، قال أبو البقاء : « وهما على ذلك موحّدتان هنا » ، يعني على المصدريّة ، ويجوز أن يكونا بمعنى الراعد والبارق نحو : رجل عدل ، والظاهر أنهما في الآية ليس المراد بهما المصدر بل جعلا اسما للهزّ واللمعان ، وهو مقصود الآية ، ولا حاجة حينئذ إلى جعلهما بمعنى اسم فاعل . قوله تعالى : يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ هذه الجملة الظاهر أنها لا محلّ لها لاستئنافها ، كأنه قيل : ما حالهم ؟ فقيل : يجعلون . وقيل : بل لها محلّ ، ثم اختلف فيه ، فقيل : جرّ لأنها صفة للمجرور ، أي : أصحاب صيّب جاعلين ، والضمير محذوف ، أو نابت الألف واللام منابه ، تقديره : يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق منه أو من صواعقه . وقيل : محلّها نصب على الحال من الضمير « فيه » . والكلام في العائد كما تقدّم ، والجعل هنا بمعنى الإلقاء ، ويكون بمعنى الخلق فيتعدّى لواحد ، ويكون بمعنى صيّر أو سمّى فيتعدّى لاثنين ، ويكون للشروع فيعمل عمل عسى . وأصابعهم جمع إصبع ، وفيها عشر لغات ، بتثليث الهمزة مع تثليث الباء ، والعاشرة : أصبوع بضمّ الهمزة . والواو في « يجعلون » تعود للمضاف المحذوف كما تقدم إيضاحه . واعلم أنّه إذا حذف المضاف جاز فيه اعتباران ، أحدهما : أن يلتفت إليه ، والثاني ألّا يلتفت إليه ، وقد جمع الأمران في قوله تعالى : وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ « 1 » ، التقدير : وكم من أهل قرية فلم يراعه في قوله : « أَهْلَكْناها فَجاءَها » وراعاه في قوله :
--> ( 1 ) سورة الأعراف ، آية ( 4 ) .