أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

134

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

هم صمّ بكم عمي ، ويجيء فيه الخلاف المشهور في تعدّد الخبر ، فمن أجاز ذلك حمل الآية عليه من غير تأويل ، ومن منع ذلك قال : هذه الأخبار وإن تعدّدت لفظا فهي متّحدة معنى ، لأنّ المعنى : هم غير قائلين للحقّ بسبب عماهم وصممهم ، فيكون من باب : « هذا حلو حامض » أي مزّ ، و « هو أعسر يسر » أي أضبط ، وقول الشاعر : 224 - ينام بإحدى مقلتيه ويتّقي * بأخرى المنايا فهو يقظان هاجع « 1 » أي متحرّز ، أو يقدّر لكلّ خبر مبتدأ تقديره : هم صمّ ، هم بكم ، هم عمي ، والمعنى على أنهم جامعون لهذه الأوصاف الثلاثة ، ولولا ذلك لجاز أن تكون هذه الآية من باب ما تعدّد فيه الخبر لتعدّد المبتدأ ، نحو قولك : الزيدون فقهاء شعراء كاتبون ، فإنه يحتمل أن يكون المعنى أن بعضهم فقهاء ، وبعضهم شعراء وبعضهم كاتبون ، وأنّهم ليسوا جامعين لهذه الأوصاف الثلاثة ، بل بعضهم اختصّ بالفقه ، والبعض الآخر بالشعر ، والآخر بالكتابة . وقرئ « 2 » بنصبها ، وفيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه حال ، وفيه قولان ، أحدهما : هو حال من الضمير المنصوب في « تركهم » ، والثاني من المرفوع في « لا يبصرون » . والثاني : النصب على الذمّ ، كقوله : حَمَّالَةَ الْحَطَبِ « 3 » . وقول الآخر : 225 - سقوني النّسء ثم تكنّفوني * عداة اللّه من كذب وزور « 4 » أي : أذمّ عداة اللّه . الثالث : أن يكون منصوبا بترك أي : تركهم صمّا بكما عميا . والصّمم داء يمنع من السّماع ، وأصله من الصّلابة ، يقال : « قناة صمّاء » أي صلبة ، وقيل : أصله من الانسداد ، ومنه : صممت القارورة أي : سددتها . والبكم داء يمنع الكلام ، وقيل : هو عدم الفهم ، وقيل : الأبكم من ولد أخرس . وقوله : فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ جملة خبرية معطوفة على الجملة الخبرية قبلها ، وقيل : بل الأولى دعاء عليهم بالصّمم ، ولا حاجة إلى ذلك . وقال أبو البقاء : « وقيل : فهم لا يرجعون حال ، وهو خطأ ، لأن الفاء ترتّب ، والأحوال لا ترتيب فيها » . و « رجع » يكون قاصرا ومتعديا باعتبارين ، وهذيل تقول : أرجعه غيره فإذا كان بمعنى « عاد » كان لازما ، وإذا كان بمعنى أعاد كان متعديا ، والآية الكريمة تحتمل التقديرين ، فإن جعلناه متعديا فالمفعول محذوف ، تقديره : لا يرجعون جوابا ، مثل قوله : إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ « 5 » وزعم بعضهم أنه يضمّن معنى صار ، فيرفع الاسم وينصب الخبر ، وجعل منه قوله عليه السّلام : « لا ترجعوا بعدي كفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض » « 6 » ، ومن منع من جريانه مجرى « صار » جعل المنصوب حالا . قوله تعالى : أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ : في « أو » خمسة أقوال .

--> ( 1 ) البيت لحميد بن ثور . انظر ديوانه ( 105 ) ، العيني ( 1 / 562 ) ، الأشموني ( 1 / 222 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 82 ) . ( 3 ) سورة المسد ، آية ( 4 ) . ( 4 ) البيت لعروة بن الورد . انظر ديوانه ( 90 ) ، الكتاب ( 1 / 252 ) ، مجالس ثعلب ( 2 / 349 ) . ( 5 ) سورة الطارق ، آية ( 8 ) . ( 6 ) أخرجه البخاري ( 9 / 64 ) ، ومسلم في القسامة باب ( 9 ) ، رقم ( 29 ) ، وأحمد ( 4 / 351 ) ، ( 5 / 49 ) .