أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
121
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أحدها : أن تكون تأكيدا لاسم « إنّ » لأنّ الضمير المنفصل المرفوع يجوز أن يؤكّد به جميع ضروب الضمير المتصل . وأن تكون فصلا . وأن تكون مبتدأ و « المفسدون » خبره ، وهما خبر ل « إنّ » ، وعلى القولين الأوّلين يكون « المفسدون » وحده خبرا لإنّ . وجيء في هذه الجملة بضروب من التأكيد ، منها : الاستفتاح والتنبيه والتأكيد بإنّ وبالإتيان بالتأكيد أو الفصل بالضمير وبالتعريف في الخبر مبالغة في الردّ عليهم فيما ادّعوه من قولهم : إنما نحن مصلحون ، لأنهم أخرجوا الجواب جملة اسمية مؤكّدة بإنما ، ليدلّوا بذلك على ثبوت الوصف لهم فردّ اللّه عليهم بأبلغ وآكد ممّا ادّعوه . قوله تعالى : وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ الواو عاطفة لهذه الجملة على ما قبلها و « لكن » معناها الاستدراك ، وهو معنى لا يفارقها ، وتكون عاطفة في المفردات ، ولا تكون إلا بين ضدّين أو نقيضين ، وفي الخلافين خلاف ، نحو : « ما قام زيد لكن خرج بكر » ، واستدلّ بعضهم على ذلك بقول طرفة : 191 - ولست بحلّال التّلاع لبيته * ولكن متى يسترفد القوم أرفد « 1 » فقوله : « متى يسترفد القوم أرفد » ليس ضدا ولا نقيضا لما قبله ، ولكنه خلافه . قال بعضهم : وهذا لا دليل فيه على المدّعى ، لأنّ قوله : « لست بحلّال التّلاع لبيته » كناية عن نفي البخل أي : لا أحلّ التلاع لأجل البخل ، وقوله : « متى يسترفد القوم أرفد » كناية عن الكرم ، فكأنه قال : لست بخيلا ولكن كريما ، فهي هنا واقعة بين ضدّين . ولا تعمل مخفّفة خلافا « 2 » ليونس ، ولها أحكام كثيرة . ومعنى الاستدراك في هذه الآية يحتاج إلى فضل تأمّل ونظر ، وذلك أنهم لمّا نهوا عن اتخاذ مثل ما كانوا يتعاطونه من الإفساد فقابلوا ذلك بأنهم مصلحون في ذلك ، وأخبر تعالى بأنهم هم المفسدون ، كانوا حقيقين بأن يعلموا أن ذلك كما أخبر تعالى وأنهم لا يدّعون أنهم مصلحون ، فاستدرك عليهم هذا المعنى الذي فاتهم من عدم الشعور بذلك ، ومثله قولك : « زيد جاهل ولكن لا يعلم » ، وذلك أنه من حيث اتصف بالجهل ، وصار الجهل وصفا فائما به كان ينبغي أن يعلم بهذا الوصف من نفسه ، لأن الإنسان ينبغي له أن يعلم ما اشتملت عليه نفسه من الصفات فاستدركت عليه أن هذا الوصف القائم به لا يعلمه مبالغة في جهله . ومفعول « يشعرون » محذوف : إمّا حذف اختصار ، أي : لا يشعرون بأنهم مفسدون ، وإمّا حذف اقتصار ، وهو الأحسن ، أي ليس لهم شعور البتة . قوله تعالى : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا : الكلام عليها كالكلام على نظيرتها قبلها . وآمنوا فعل وفاعل والجملة في محلّ رفع لقيامها مقام الفاعل على ما تقدّم في « وإذا قيل لهم : لا تفسدوا » والأقوال المتقدمة هناك تعود هنا فلا حاجة لذكرها . والكاف في قوله « كَما آمَنَ النَّاسُ » في محلّ نصب . وأكثر المعربين يجعلون ذلك نعتا لمصدر محذوف ، والتقدير : آمنوا إيمانا كإيمان الناس ، وكذلك يقولون في : « سر عليه حثيثا » ، أي سيرا حثيثا ، وهذا ليس من مذهب سيبويه ، إنما مذهبه في هذا ونحوه أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدم .
--> ( 1 ) البيت من معلقته المشهورة . انظر ديوانه ( 1 / 442 ) ، سيبويه ( 1 / 442 ) ، الخزانة ( 3 / 650 ) . ( 2 ) يونس بن حبيب الضبيّ الولاء البصريّ أبو عبد الرحمن من أصحاب أبي عمرو بن العلاء ، توفي سنة اثنتين وثمانين ومائة . أخبار النحويين البصريين ( 32 ) ، بغية الوعاة ( 2 / 365 ) .