أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
118
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
حينئذ باقية على زمانيتها أو صارت ظرف مكان أو حرفا ؟ ثلاثة أقوال ، أصحّها الأول استصحابا للحال ، وهل تتصرّف أم لا ؟ الظاهر عدم تصرّفها ، واستدلّ من زعم تصرّفها بقوله تعالى في قراءة من قرأ « 1 » : إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ ، لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ ، خافِضَةٌ رافِعَةٌ ، إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا « 2 » بنصب « خافضة رافعة » ، فجعل « إذا » الأولى مبتدأ والثانية خبرها ، التقدير : وقت وقوع الواقعة وقت رجّ الأرض ، وبقوله : حَتَّى إِذا جاؤُها « 3 » ، حَتَّى إِذا كُنْتُمْ « 4 » ، فجعل « حتى » حرف جر و « إذا » مجرورة بها ، وسيأتي تحقيق ذلك في مواضعه . ولا تضاف إلا إلى الجمل الفعلية خلافا للأخفش . وقوله تعالى : « قِيلَ » فعل ماض مبنيّ للمفعول ، وأصله : قول كضرب فاستثقلت الكسرة على الواو ، فنقلت إلى القاف بعد سلب حركتها ، فسكنت الواو بعد كسرة فقلبت ياء ، وهذه أفصح اللغات ، وفيه لغة ثانية وهي الإشمام ، والإشمام عبارة عن جعل الضمة بين الضم والكسر ، ولغة ثالثة وهي إخلاص الضم ، نحو : قول وبوع ، قال الشاعر : 187 - ليت وهل ينفع شيئا ليت * ليت شبابا بوع فاشتريت « 5 » وقال آخر : 188 - حوكت على نيرين إذ تحاك * تختبط الشّوك ولا تشاك « 6 » وقال الأخفش : « ويجوز « قيل » بضم القاف والياء » يعني مع الياء لا أنّ الياء تضمّ أيضا . وتجيء هذه اللغات الثلاث في اختار وانقاد وردّ وحبّ ونحوها ، فتقول : اختير بالكسر والإشمام واختور ، وكذلك انقيد وانقود وردّ وردّ ، وأنشدوا : 189 - وما حلّ من جهل حبا حلمائنا * ولا قائل المعروف فينا يعنّف « 7 » بكسر حاء « حلّ » وقرئ : ولو ردوا « 8 » بكسر الراء ، والقاعدة فيما لم يسمّ فاعله أن يضمّ أول الفعل مطلقا ، فإن كان ماضيا كسر ما قبل آخره لفظا نحو : ضرب أو تقديرا نحو : قيل واختير ، وإن كان مضارعا فتح لفظا نحو يضرب أو تقديرا نحو : يقال ويختار ، وقد يضمّ ثاني الماضي أيضا إذا افتتح بتاء مطاوعة نحو تدحرج الحجر ، وثالثه إن افتتح بهمزة وصل نحو : انطلق بزيد . واعلم أن شرط جواز اللغات الثلاث في قيل وغيض ونحوهما ألّا يلبس ، فإن ألبس عمل بمقتضى عدم اللّبس ،
--> ( 1 ) ستأتي في كلام المصنف رحمه اللّه . ( 2 ) سورة الواقعة ، آيات ( 1 - 4 ) . ( 3 ) سورة الزمر ، آية ( 71 ) . ( 4 ) سورة يونس ، آية ( 22 ) . ( 5 ) البيت لرؤبة . انظر ملحقات ديوانه ( 1 / 206 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 7 / 70 ) ، الهمع ( 1 / 248 ) ، الدرر ( 1 / 206 ) . ( 6 ) البيت لرؤبة وليس في ديوانه . انظر أوضح المسالك ( 1 / 387 ) ، الأشموني ( 2 / 63 ) ، الهمع ( 2 / 125 ) ، العيني ( 2 / 526 ) ، الدرر ( 2 / 223 ) . ( 7 ) البيت للفرزدق . انظر ديوانه ( 2 / 29 ) ، الكتاب ( 4 / 118 ) ، المحتسب ( 1 / 346 ) ، المنصف ( 1 / 250 ) ، اللسان ( حلل ) ، والشاهد فيه مراعاة كسرة الثاني من حل التي هي في أصل الفعل قبل إدغامه فيشم الحاء الكسرة لذلك . ( 8 ) سورة الأنعام ، آية ( 28 ) .