أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
110
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
صلة ، وعلى الثاني محلها الرفع لكونها صفة للمبتدأ . واستضعف أبو البقاء أن تكون موصولة قال : « لأن « الذي » يتناول قوما بأعيانهم ، والمعنى هنا على الإبهام » انتهى . وهذا منه غير مسلم لأن المنقول أن الآية نزلت في قوم بأعيانهم كعبد اللّه بن أبي ورهطه . وقال الأستاذ الزمخشري : « إن كانت أل للجنس كانت « من » نكرة موصوفة كقوله : مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا « 1 » وإن كانت للعهد كانت موصولة » وكأنه قصد مناسبة الجنس للجنس والعهد للعهد ، إلا أن هذا الذي قاله غير لازم ، بل يجوز أن تكون أل للجنس ، وتكون « من » موصولة وللعهد ، ومن نكرة موصوفة وزعم الكسائي أنها لا تكون إلا في موضع تختص به النكرة كقوله : 159 - ربّ من أنضجت غيظا قلبه * قد تمنّى لي موتا لم يطع « 2 » وهذا الذي قاله هو الأكثر إلا أنها قد جاءت في موضع لا تختص به النكرة قال : 160 - فكفى بنا فضلا على من غيرنا * . . . « 3 » ومن تكون موصولة ونكرة موصوفة كما تقدم وشرطية واستفهامية ، وهل تقع نكرة غير موصوفة أو زائدة ؟ خلاف واستدل الكسائي على زيادتها بقول عنترة : 161 - يا شاة من قنص لمن حلّت له * حرمت على وليّتها لم تحرم « 4 » ولا دليل فيه لجواز أن تكون موصوفة بقنص : إما على المبالغة أو على حذف مضاف . و مِنَ في مِنَ النَّاسِ للتبعيض ، وقد زعم قوم أنها للبيان وهو غلط لعدم تقدم ما يتبين بها . و النَّاسِ اسم جمع لا واحد له من لفظه ، ويرادفه « أناسي » جمع إنسان أو إنسي وهو حقيقة في الآدميين ، ويطلق على الجن مجازا . واختلف النحويون في اشتقاقه : فمذهب سيبويه والفراء أن أصله همزة ونون وسين والأصل : أناس اشتقاقا من الإنس قال : 162 - وما سمّي الإنسان إلّا لأنسه * ولا القلب إلّا أنّه يتقلّب « 5 » لأنه أنس بحواء وقيل : بل أنس بربه ثم حذفت الهمزة تخفيفا ، يدل على ذلك قوله : 163 - إنّ المنايا يطّلع * ن على الأناس الآمنينا « 6 » وقال آخر : 164 - وكلّ أناس قاربوا قيد فحلهم * ونحن خلعنا قيده فهو سارب « 7 »
--> ( 1 ) سورة الأحزاب ، آية ( 23 ) . ( 2 ) البيت لسويد بن أبي كاهل . انظر شرح المفصل لابن يعيش ( 4 / 11 ) ، الهمع ( 1 / 92 ) ، الدرر ( 1 / 69 ) ، أمالي ابن الشجري ( 2 / 169 ) ، الشذور ( 173 ) ( 63 ) ، الخزانة ( 2 / 546 ) . ( 3 ) صدر بيت تقدم وعجزه : . . . * حب النبي محمد إيانا ( 4 ) انظر ديوانه ( 213 ) ، الخزانة ( 2 / 549 ) ، المغني ( 1 / 109 ) ( 158 ) . ( 5 ) لم نقف عليه . ( 6 ) البيت لذي جدن الحميري وقد تقدم . ( 7 ) البيت للأخنس بن شهاب التغلبي وروايته : « أرى كل قوم » . انظر المفضليات ( 208 ) ، ابن يعيش ( 8 / 58 ) ، شرح ديوان الحماسة ( 2 / 728 ) ، اللسان والتهذيب ( سرب ) ( 12 / 414 ) ، شرح المفضليات ( 2 / 765 ) .