أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
106
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
148 - تطاللت فاستشرفته فعرفته * فقلت له أأنت زيد الأرانب « 1 » وروى عن ورش « 2 » إبدال الثانية ألفا محضة ، ونسب الزمخشري هذه القراءة للحن قال : « لأنه يؤدي إلى الجمع بين ساكنين على غير حدهما ، ولأن تخفيف مثل هذه الهمزة إنما هو بين بين » وهذا منه ليس بصواب لثبوت هذه القراءة تواترا ، وللقراء في نحو هذه الآية عمل كثير وتفصيل منتشر . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 7 ] خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 7 ) قوله تعالى : خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ الآية ، عَلى قُلُوبِهِمْ متعلق بختم و عَلى سَمْعِهِمْ يحتمل عطفه على قلوبهم وهو الظاهر للتصريح بذلك ، أعني نسبة الختم إلى السمع قوله تعالى : وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ « 3 » ويحتمل أن يكون خبرا مقدما وما بعده عطف عليه و « غشاوة » مبتدأ ، وجاز الابتداء بها لأن النكرة متى كان خبرها ظرفا أو حرف جر تاما وقدم عليها ، جاز الابتداء بها ، ويكون تقديم الخبر حينئذ واجبا لتصحيحه الابتداء بالنكرة ، والآية من هذا القبيل وهذا بخلاف قوله تعالى : وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ « 4 » لأن في تلك الآية مسوغا آخر وهو الوصف ، فعلى الاحتمال الأول يوقف على سَمْعِهِمْ ويبتدأ بما بعده وهو وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ فعلى أبصارهم خبر مقدم ، وغشاوة مبتدأ مؤخر ، وعلى الاحتمال الثاني يوقف على قُلُوبِهِمْ وإنما كرر حرف الجر وهو « على » ليفيد التأكيد أو ليشعر ذلك بتغاير الختمين وهو أن ختم القلوب غير ختم الأسماع ، وقد فرق النحويون بين : « مررت بزيد وعمرو » وبين : « مررت بزيد وبعمرو » فقالوا : في الأول هو مرور واحد ، وفي الثاني هما مروران ، وهو يؤيد ما قلته إلا أن التعليل بالتأكيد يشمل الإعرابين أعني جعل وَعَلى سَمْعِهِمْ معطوفا على قوله : عَلى قُلُوبِهِمْ وجعله خبرا مقدما ، وإما التعليل بتغاير الختمين فلا يجيء إلا على الاحتمال الأول ، وقد يقال على الاحتمال الثاني أن تكرير الحرف يشعر بتغاير الغشاوتين ، وهو أن الغشاوة على السمع غير الغشاوة على البصر كما تقدم ذلك في الختمين . وقرئ : « غشاوة » نصبا وفيه ثلاثة أوجه : الأول : على إضمار فعل لائق أي : وجعل على أبصارهم غشاوة ، وقد صرح بهذا العامل في قوله تعالى : وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً « 5 » . والثاني : الانتصاب على إسقاط حرف الجر ويكون وَعَلى أَبْصارِهِمْ معطوفا على ما قبله والتقدير : ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم بغشاوة ، ثم حذف حرف الجر فانتصب ما بعده كقوله : 149 - تمرّون الدّيار ولم تعوجوا * كلامكم عليّ إذا حرام « 6 »
--> - لابن يعيش ( 9 / 119 ) ، أمالي ابن الشجري ( 1 / 321 ) ، أمالي القالي ( 2 / 67 ) ، الأزهية ( 21 ) ، الدرر ( 1 / 147 ) ، الإنصاف ( 283 ) ، اللسان ( جلل ) . ( 1 ) البيت لذي الرمة . انظر ملحقات ديوانه ( 849 ) ، اللسان ( الهمزة ) . ( 2 ) عثمان بن سعيد بن عديّ المصري : من كبار القراء . غلب عليه لقب « ورش » لشدة بياضه . أصله من القيروان ومولده ووفاته بمصر سنة 197 ه . غاية النهاية ( 1 / 502 ) ، إرشاد الأريب ( 5 / 33 ) . ( 3 ) سورة الجاثية ، آية ( 23 ) . ( 4 ) سورة الأنعام ، آية ( 2 ) . ( 5 ) سورة الجاثية ، آية ( 23 ) . ( 6 ) البيت لجرير ورواية الصدر في الديوان هكذا ( 416 ) : ( 7 ) أتمضون الرّسوم ولا تحيّا * . . . وانظر شرح المفصل لابن يعيش ( 8 / 8 ) ، الدرر -