أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

100

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

125 - فساغ لي الشّراب وكنت قبلا * أكاد أغصّ بالماء القراح « 1 » وقال آخر : 126 - ونحن قتلنا الأسد أسد خفيّة * فما شربوا بعدا على لذّة خمرا « 2 » ومن البناء قوله تعالى : لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وزعم بعضهم أن « قبل » في الأصل وصف ناب عن موصوفه لزوما فإذا قلت : « قمت قبل زيد » فالتقدير : قمت زمانا قبل زمان قيام زيد فحذف هذا كله وناب عنه ( قبل زيد ) وفيه نظر لا يخفى على متأمله . واعلم أن حكم فوق وتحت وعلى وأول حكم قبل وبعد فيما تقدم وقرئ : « بما أنزل إليك » « 3 » مبنيا للفاعل وهو اللّه تعالى أو جبريل ، وقرئ أيضا : أنزل ليك « 4 » بتشديد اللام وتوجيهه أن يكون سكن آخر الفعل كما سكنه الآخر في قوله : 127 - إنّما شعري ملح * قد خلط بجلجلان « 5 » بتسكين « خلط » ثم حذف همزة « إليك » فالتقى مثلان فأدغم . و بِالْآخِرَةِ متعلق بيوقنون و يُوقِنُونَ خبر عن هُمْ وقدم المجرور للاهتمام به كما قدم المنفق في قوله : وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ « 6 » لذلك وهذه جملة اسمية عطفت على الجملة الفعلية قبلها فهي صلة أيضا ، ولكنه جاء بالجملة هنا من مبتدأ وخبر بخلاف : وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ لأن وصفهم بالإيقان بالآخرة أوقع من وصفهم بالإنفاق من الرزق ، فناسب التأكيد بمجيء الجملة الإسمية أو لئلا يتكرر اللفظ لو قيل : ومما رزقناهم هم ينفقون . والإيقان : تحقيق الشيء لوضوحه وسكونه يقال : يقن الماء إذا سكن فظهر ما تحته ، ويقنت الأمر بكسر القاف ، ويوقنون من أيقن بمعنى استيقن ، وقد تقدم أن أفعل تأتي بمعنى استفعل . والآخرة : تأنيث آخر المقابل لأول ، وهي صفة في الأصل جرت مجرى الأسماء والتقدير : الدار الآخرة أو النشأة الآخرة ، وقد صرح بهذين الموصوفين قال تعالى : وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ « 7 » ، وقال : ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ « 8 » وقرئ يؤقنون « 9 » بهمز الواو كأنهم جعلوا ضمة الياء على الواو ، لأن حركة الحرف بين يديه ، والواو المضمومة يطرد قلبها همزة بشروط : منها ألا تكون الحركة عارضة ، وألا يمكن تخفيفها ، وألا يكون مدغما فيها ، وألا تكون زائدة على خلاف في هذا الأخير ، وسيأتي أمثلة ذلك في سورة آل عمران على قوله : وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ « 10 » فأجروا الواو الساكنة المضموم ما قبلها مجرى المضمومة نفسها لما ذكرت لك ، ومثل هذه القراءة قراءة قنبل

--> ( 1 ) هو لعبد اللّه بن يعرب بن معاوية ، ونسبه أبو عبيدة ليزيد بن الصعق . انظر همع الهوامع ( 1 / 210 ) ، المفصل ( 4 / 88 ) ، الأشموني ( 1 / 269 ) ، الدرر ( 1 / 176 ) ، والقراح - بفتح القاف - : الماء الذي لا يخالطه ثفل من سويق ولا غيره ، أو هو الماء الذي لم يخالطه شيء يطيب به كالعسل والتمر والزبيب . اللسان ( قرح ) . ورواية البيت في المفصل : الفرات ، بدلا من القراح . ( 2 ) البيت نسب إلى رجل من بني عقيل . الهمع ( 1 / 209 ) ، الأشموني ( 2 / 169 ) ، الدرر ( 1 / 176 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 41 ) . ( 4 ) انظر المصدر السابق . ( 5 ) البيت لوضاح اليماني التهذيب ( 1 / 491 ) ، واللسان ( جلل ) . ( 6 ) سورة البقرة ، آية ( 3 ) . ( 7 ) سورة الأنعام ، آية ( 32 ) . ( 8 ) سورة العنكبوت ، آية ( 20 ) . ( 9 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 42 ) . ( 10 ) سورة آل عمران ، آية ( 153 ) .