أبي حيان الأندلسي

683

تفسير النهر الماد من البحر المحيط

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ألم غُلِبَتِ الرُّومُ هذه السورة مكية بلا خلاف وسبب نزولها أن كسرى بعث جيشا إلى الروم وأمر عليهم رجلا اختلف في اسمه فسار إليهم بأهل فارس فظفر وقتل وخرب وقطع زيتونهم وكان التقاهم باذرعات وبصرى وكان قد بعث قيصر رجلا أميرا على الروم وفي كتابنا البحر ذكرت حكاية غلب الروم فارس قال ابن عطية والقراءة بضم الغين أصح وأجمع الناس على سيغلبون أنه بفتح الياء يراد به الروم ويروى عن ابن عمر أنه قرأ أيضا سيغلبون بضم الياء وفي هذه القراءة قلب المعنى الذي تظاهرت به الروايات « انتهى » * قوله : فَأَجْمِعُوا * ليس كذلك ألا ترى أن الذين قرؤا غلبت بفتح الغين هم الذين قرؤا سيغلبون بضم الياء وفتح اللام فليست هذه مخصوصة بابن عمر كما ذكر . فِي بِضْعِ سِنِينَ تقدم الكلام عليه في يوسف والظاهر أن يومئذ ظرف معمول ليفرح والتنوين فيه للعوض من الجملة المحذوفة أي ويوم إذ يغلب الروم فارس يفرح المؤمنون ثم ابتدأ الاخبار بفرح المؤمنين بالنصر وبنصر اللّه أي الروم على فارس أو المسلمين على عدوهم * وانتصب وعد اللّه على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة التي تقدّمت وهو قوله : سَيَغْلِبُونَ و يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ . وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ الكفار من قريش وغيرهم . لا يَعْلَمُونَ نفي عنهم العلم النافع للآخرة وقد أثبت لهم العلم بأحوال الدنيا . يَعْلَمُونَ ظاهِراً أي بينا أي ما أدتهم إليه حواسهم فكان علومهم إذن هي علوم البهائم . أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا الظاهر أنها معلقة ومتعلقها الجملة من قوله ما خلق إلخ وفي أنفسهم ظرف على سبيل التأكيد لأن الفكر لا يكون إلا في النفس كما أن الكتابة لا تكون إلا باليد * وبالحق في موضع الحال أي ملتبسة بالحق مقترنة به وبتقدير أجل مسمى لا بد لها أن تنتهي إليه وهو قيام الساعة ووقف الحساب والثواب والعقاب والمراد بلقاء ربهم الأجل المسمى .