أبي حيان الأندلسي

28

تفسير النهر الماد من البحر المحيط

ذلك تفصيل ذكر في علم النحو . والمعنى أنهم عمي فلا تقدر على هدايتهم ، لأن السبب الذي يهتدى به إلى رؤية الدلائل قد فقدوه هذا وهم مع فقد البصر قد فقدوا البصيرة ، إذ من كان أعمى فإنه يهديه نور بصيرته إلى أشياء بالحدس ، وهذا قد جمع بين فقدان البصر والبصيرة وهذه مبالغة عظيمة في عدم قبول ما يلقى إلى هؤلاء إذ جمعوا بين الصمم وانتفاء العقل ، وبين العمى وفقد البصيرة . وفي قوله : أفأنت تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم وألّا يكترث بعدم قبولهم فإن الهداية إنما هي للّه تعالى . ولما ذكر هؤلاء الأشقياء ذكر أنه تعالى لا يظلمهم شيئا إذ قد أزاح عللهم ببعثة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وتحذيرهم من عقابه ولكنهم ظلموا أنفسهم بالتكذيب والكفر . واحتمل هذا النفي للظلم أن يكون في الدنيا أي لا يظلمهم شيئا من مصالحهم ، واحتمل أن يكون في الآخرة وان ما يلحقهم من العقاب هو عدل منه لأنهم هم الذين تسببوا فيه باكتساب ذنوبهم ، كما قدر تعالى عليهم لا يسأل عما يفعل . وَيَوْمَ و يَحْشُرُهُمْ الآية ، كان لم يلبثوا جملة تشبيهية في موضع نصب من الضمير المنصوب في نحشرهم التقدير مشبهين بمن لم يلبث إلا ساعة ويتعارفون حال ثانية ، ويجوز أن يكون استئناف اخبار . وأجاز ابن عطية في كان لم يلبثوا صفة لمصدر محذوف تقديره حشرا كان لم يلبثوا ، وأن تكون الجملة التشبيهية في موضع صفة لقوله : يوم . « انتهى » . أما قوله : انه نعت لمصدر محذوف ، فيحتاج إلى رابط فقدّره كان لم يلبثوا قبله ، ومثل هذا الربط لا يجوز حذفه وأما قوله : ان الجملة في موضع الصفة ليوم نحشرهم فلا يجوز لأن الجملة التشبيهية هي نكرة ويوم نحشرهم معرفة ، إذ التقدير ويوم حشرهم ولا توصف المعرفة بالنكرة . وَما كانُوا مُهْتَدِينَ أخبر عنهم بخبرين أحدهما خسرانهم معللا بالتكذيب بلقاء اللّه ، والثاني إخباره تعالى بانتفاء هدايتهم . وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ اما هي ان الشرطية زيد عليها ما قال ابن عطية ، ولأجلها جاز دخول النون الثقيلة ولو كانت ان وحدها لم يجز . « انتهى » . يعني أن