أبي حيان الأندلسي

15

تفسير النهر الماد من البحر المحيط

وَجَرَيْنَ النون عائدة على الفلك ويراد به الجمع إذ الفلك يكون مفردا كقوله : في الفلك المشحون ، ويكون جمعا كهذا ولهذا عاد الضمير عليه جمعا . والباء في « بهم » للتعدية وفي « بريح » للسبب . وفي قوله : بهم ، التفات إذ هو خروج من خطاب في قوله : كنتم ، إلى غيبة في قوله : بهم وفرحوا وما بعد ذلك من ضمير الغيبة . قال الزمخشري : فائدة الالتفات في قوله : حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم المبالغة كأنه يذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها وتستدعي منهم الإنكار والتقبيح . « انتهى » . والذي يظهر واللّه أعلم أن حكمة الالتفات هنا هي أن قوله : هو الذي يسيركم في البر والبحر ، خطاب فيه امتنان وإظهار نعمه للمخاطبين والمسيرون في البر والبحر مؤمنون وكفار . والخطاب شامل فحسن خطابهم بذلك ليستديم الصالح على الشكر ولعل الطالح يتذكر هذه النعمة فيرجع ، فلما ذكرت حاله آل الأمر في آخرها إلى أن المتلبس بها هو باغ في الأرض بغير الحق عدل عن الخطاب إلى الغيبة حتى لا يكون المؤمنون يخاطبون بصدور مثل هذه الحالة التي آخرها البغي . وقوله : جاءَتْها جواب إذا . و عاصِفٌ صفة لريح على معنى النسب ، أي ذات عصف إذ لو كانت جارية على الفعل لكانت بالتاء كقوله تعالى : وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً . والمعنى من كل مكان من أمكنة الموج والظن هنا على بابه الأصلي من ترجيح أحد الجائزين . ومعنى : أُحِيطَ بِهِمْ أي للهلاك كما يحيط العدو بمن يريد إهلاكه ، وهي كناية عن استيلاء أسباب الهلاك . دَعَوُا اللَّهَ جواب لسؤال مقدر ، كأنه قيل : فما كان حالهم في تلك الشدة ؟ قيل : دعوا اللّه . لَئِنْ أَنْجَيْتَنا اللام موطئة لقسم محذوف في موضع الحال تقديره مقسمين . مِنْ هذِهِ أي من هذه الشدة .