أبي حيان الأندلسي
12
تفسير النهر الماد من البحر المحيط
ما كان وما يكون ناطقا بالغيوب التي لا يعلمها إلا اللّه تعالى . وقد بلغ بين ظهرانيكم أربعين سنة تطّلعون على أحواله ولا يخفى عليكم شئ من أسراره ، ولا سمعتم منه حرفا من ذلك ، ولا عرفه به أحد من أقرب الناس منه وألصقهم به . ومفعول شاء محذوف ، أي قل لو شاء اللّه أن لا أتلوه . وجاء جواب لو على الفصيح من عدم إثبات اللام لكونه منفيا بما . ويقال : دريت به وأدريت زيدا به . والمعنى ولا أعلمكم به على لساني ، ونبه على أن ذلك وحي من اللّه بإقامته فيهم عمرا وهو أربعون سنة من قبل ظهور القرآن على لساني يافعا وكهلا ، لم تجربوني في كذب ولا تعاطيت شيئا من هذا ولا عانيت اشتغالا فكيف أتهم باختلاقه . والظاهر عود الضمير في من قبله على القرآن . فَمَنْ أَظْلَمُ تقدم الكلام عليه . وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ الضمير عائد على كفار قريش الذين تقدمت محاوراتهم . و ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ هو الأصنام جماد لا تقدر على نفع ولا ضر . قيل : ان عبدوها لم تنفعهم وإن تركوها لم تضرهم ، ومن حق المعبود أن يكون مثيبا على الطاعة معاقبا على المعصية ، وكان أهل الطائف يعبدون اللات وأهل مكة يعبدون العزى ومناة واساف ونائلة وهبل . وفي قوله : من دون اللّه ، دلالة على أنهم يعبدون الأصنام ولا يعبدون اللّه . قال ابن عباس : يعنون في الآخرة ، أي النفع والضر . أَ تُنَبِّئُونَ استفهام على سبيل التهكم بما ادعوه من المحال الذي هو شفاعة الأصنام واعلام بأن الذين أنبئوا به باطل غير منطو تحت الصحة فكأنهم يخبرونه بشئ لا يتعلق به علمه . وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً تقدم الكلام عليها في البقرة . و « الكلمة » هنا هو القضاء والتقدير لبني آدم بالآجال المؤقتة . وَيَقُولُونَ لَوْ لا أُنْزِلَ الآية هذه من اقتراحهم وكانوا لا يعتقدون بما أنزل