حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

467

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

روي أنها تجري في الهواء متسنمة فتصب في أوانيهم ، أو لأنها لكثرة مائها تعلو على كل شيء تمرّ به ، أو يرى فيها ارتفاع وانخفاض . والتركيب يدل على الارتفاع ومنه سنام البعير عن ابن عباس : أشرف شراب أهل الجنة هو التسنيم فالمقرّبون يشربونها صرفا وتمزج لأصحاب اليمين . فقال بعض أهل العرفان : وذلك أن المقرّبين السابقين لا يشتغلون إلا بمطالعة وجه اللّه الكريم ، وأما أهل اليمين فإنه يكون شرابهم ممزوجا لأن نظرهم تارة إلى اللّه وتارة إلى الخلق . ثم حكى قبائح أفعال الكافرين على أن التكلم واقع في يوم القيامة بدليل قوله عقيبه فَالْيَوْمَ قال المفسرون : هم مشركو مكة أبو جهل والوليد بن المغيرة وأضرابهما ، كانوا يضحكون من عمار وصهيب وبلال وغيرهم من فقراء المؤمنين . وقيل : جاء علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه في نفر من المسلمين فسخر منهم المنافقون وضحكوا وتغامزوا ثم رجعوا إلى أصحابهم فقالوا : رأينا اليوم الأصلع فضحكوا منه فنزلت هذه الآي قبل أن يصل علي كرم اللّه وجهه إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم . والتغامز تفاعل من الغمز وهو الإشارة بالعين أو الحاجب أو الشفة ، وأكثر ذلك إنما يكون على سبيل الخبث . ومعنى فَكِهِينَ متلذذين بذكرهم والسخرية منهم . قوله وَما أُرْسِلُوا حال معترضة إنكارا من اللّه عليهم وتهكما بهم أي ينسبون المسلمين إلى الضلال والحال أنهم لم يرسلوا على المسلمين موكلين بهم حافظين عليهم أحوالهم . وجوز في الكشاف أن تكون المنفية من جملة قول الكفار فيكون إنكارا لصدّهم إياهم عن الشرك ودعائهم إلى الإسلام . قلت : لو كان من جملة قولهم لكان الظاهر أن يقال : وما أرسلوا أي المسلمون علينا . يروى أنه يفتح للكفار باب إلى الجنة فيقال لهم : اخرجوا إليها . فإذا وصلوا إليها أغلق الباب دونهم يفعل ذلك بهم مرارا فيضحك المؤمنون منهم ناظرين إليهم على الأرائك . ولا يخفى ما في هذا الإخبار والحكاية من تسلية المؤمنين وتثبيتهم على الإسلام والتصبر على متاعب التكاليف وأذية الأعداء في أيام معدودة لنيل ثواب لا نهاية له ولا غاية . قال المبرد : ثوّب وأثاب بمعنى ، وقد تستعمل الإثابة في الشر كالمجازاة ، ويجوز أن يراد التهكم نحو فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ [ آل عمران : 21 ] وفي هذا القول مزيد غيظ وتوبيخ للكافرين ونوع سرور وتنفيس للمؤمنين . ويحتمل أن يكون الاستفهام للتقرير أي هل قدرنا على الإثابة نحو فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا [ الأعراف : 44 ]