حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
464
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
الوعيد إلا إذا بلغ تطفيفه نصاب السرقة . والأكثرون على أن قليله وكثيره يوجب الوعيد . وبالغ بعضهم حتى عد العزم عليه من الكبائر . وقال الشيخ أبو القاسم القشيري رحمه اللّه : لفظ المطفف يتناول التطفيف في الوزن والكيل ، وفي إظهار العيب وإخفائه ، وفي طلب الإنصاف والانتصاف ، ومن لم يرض لأخيه المسلم ما يرضاه لنفسه فليس بمنصف . والذي يرى عيب الناس ولا يرى عيب نفسه فهو من هذه الجملة ، ومن طلب حق من الناس ولا يعطيهم حقوقهم كما يطلب لنفسه فهو من هذه الجملة ، والفتى من يقضي حقوق الناس ولا يطلب من أحد لنفسه حقا . ويحكى أن أعرابيا قال لعبد الملك بن مروان : إن المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم الذي سمعت به ، فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ووزن ؟ ثم زاد في توبيخهم بقوله أَ لا يَظُنُّ فإن كانوا من أهل الإسلام كما روي أن أهل المدينة كانوا يفعلون ذلك فالظن بمعنى العلم ، وإن كانوا كفارا منكري البعث فالظن بمعناه الأصلي . والمراد به أنهم لا يقطعون بالبعث أفلا يظنونه أيضا كقوله إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ [ الجاثية : 32 ] وفي الإشارة إليهم ب أُولئِكَ وقد ذكرهم عما قريب تبعيد لهم عن رتبة الاعتبار بل عن درجة الإنسانية . وفي هذا الإنكار ووصف اليوم بالعظم وقيام الناس فيه لرب العالمين بيان بليغ لعظم هذا الذنب كما إذا قال الحالف واللّه الطالب الغالب الحي القيوم . ففيه تعظيم شأن المقسم عليه . عن النبي صلى اللّه عليه وسلم « يقوم الناس مقدار ثلاثمائة سنة من الدنيا لا يؤمر فيهم بأمر » . قال ابن عباس : هو في حق المؤمنين كقدر انصرافهم من الصلاة . وفيه أنه إذا ظهر التطفيف الذي يظن به أنه حقير فكيف بسائر الظلامات ؟ وحمل بعضهم هذا القيام على ردّ الأرواح إلى أجسادها حتى يقوموا من مراقدهم . وعن أبي مسلم : أراد به الخضوع التام كقوله وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ [ البقرة : 238 ] ثم بيّن أن كل ما يعمل من خير أو شر فإنه مكتوب عند اللّه . وقدم ديوان الشرور لأن المذكور قبله هو وعيد أهل الفجور . وسجين « فعيل » من السجن وهو الحبس والتضييق جعل علما لديوان الشر الجامع لأعمال الكفرة والفسقة والشياطين ، وهو منصرف لأنه ليس فيه إلا العلمية كِتابٌ مَرْقُومٌ ليس تفسيرا للسجين بل التقدير : كلا إن كتاب الفجار لفي سجين وإن كتاب الفجار مرقوم . وموقع قوله وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ اعتراض تعظيما لأمر السجين ، ولأن ذلك لم يكن مما كانت العرب تعرفه أي ليس ذلك مما كنت تعلمه أنت ولا قومك . وقيل : مرقوم أي مطروح وعلى هذا يكون سجين اسم مكان . ثم اختلفوا ، فعن ابن عباس في رواية عطاء وقتادة ومجاهد والضحاك وعن البراء مرفوعا أنه أسفل أرضين وفيها إبليس وذريته . وعن أبي هريرة مرفوعا أنه جب في جهنم . وقال الكلبي : صخرة تحت