حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

42

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

كقوله إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً [ النساء : 117 ] روى النعمان بن بشير أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال « الدعاء العبادة » وقرأ هذه الآية . وجوّز آخرون أن يكون الدعاء والاستجابة على ظاهرهما ، ويراد بعبادتي دعائي لأن الدعاء باب من العبادة يصدّقه قول ابن عباس : أفضل العبادة الدعاء . وقد مرّ تحقيق الدعاء في سورة البقرة في قوله أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ [ الآية : 186 ] وقد فسره ابن عباس بمعنى آخر قال : وحدوني أغفر لكم . وفي الدعاء . قال جار اللّه : وهذا تفسير للدعاء بالعبادة ثم للعبادة بالتوحيد . ومعنى داخِرِينَ صاغرين . وقال أهل التحقيق : كل من دعا اللّه وفي قلبه مثقال ذرة من المال والجاه وغير ذلك فدعاؤه لساني لا قلبي ولهذا قد لا يستجاب لأنه اعتمد على غير اللّه . وفيه بشارة هي أن دعاء المؤمن وقت حلول أجله يكون مستجابا البتة لانقطاع تعلقه وقتئذ عما سوى اللّه . ثم إنه تعالى ذكر نعمته على الخلائق بوجود الليل والنهار وقد مر نظير الآية مرارا ولا سيما في أواخر « يونس » وأواسط « البقرة » . وكرر ذكر الناس نعيا عليهم وتخصيصا لكفران النعمة بهم من بين سائر المخلوقات . وأما وجه النظم فكأنه يقول : إني أنعمت عليك بهذه النعم الجليلة قبل السؤال فكيف لا أنعم عليك بما هو أقل منه بعد السؤال ؟ ففيه تحريض على الدعاء . وأيضا الاشتغال بالدعاء مسبوق بمعرفة المدعوّ فلذلك ذكر في عدّة آيات دلائل باهرة من الآفاق والأنفس على وحدانيته واتصافه بنعوت الكمال . قوله ذلِكُمُ اللَّهُ إلى قوله إِلَّا هُوَ قد مر في « الأنعام » . قوله كَذلِكَ يُؤْفَكُ أي كل من جحد بآيات اللّه ولم يكن طالبا للحق فإنه مصروف عن الحق كما صرفوا . قوله فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ كقوله وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ [ الإسراء : 70 ] لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [ التين : 4 ] قوله الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ إما استئناف مدح من اللّه تعالى لنفسه ، وإما بتقدير القول أي فادعوه مخلصين قائلين الحمد للّه . قوله لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ شامل لأدلة العقل والنقل جميعا . قوله ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ متعلق بمحذوف أي ثم يبقيكم لتبلغوا وكذلك لتكونوا . وأما قوله وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى فمتعلق بفعل آخر تقديره ونفعل ذلك لتبلغوا أجلا مسمى هو الموت أو القيامة ، ورجاء منكم أن تعقلوا ما في ذلك من العبر . وحيث انجر الكلام إلى ذكر الأجل وصف نفسه بأن الإحياء والإماتة منه ، ثم أشار بقوله فَإِذا قَضى إلخ إلى نفاذ قدرته في الكائنات من غير افتقار في شيء ما إلى آلة وعدّة . وأشار إلى أن الإحياء والإماتة ليسا من الأشياء التدريجية ولكنهما من الأمور الدفعية المتوقفة على أمر كن فقط ، وذلك أن الحياة تحصل بتعلق النفس الناطقة بالبدن ، والموت يحدث من قطع ذلك التعلق ، وكل من الأمرين يحصل في آن واحد . ويمكن أن