حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
370
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
قرأ البقرة وآل عمران جد فينا . ويحتمل أن يراد ملكه وسلطانه أو غناه استعارة من الجد الذي هو الدولة والبخت لأن الملوك والأغنياء هم المجدودون . وفي الحديث « لا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ » « 1 » قال أبو عبيدة : لا ينفع ذا الغنى منك غناه . وفي حديث آخر « قمت على باب الجنة فإذا غلقه من يدخلها من الفقراء وإذا أصحاب الجد محبوسون » « 2 » يعني أصحاب الغنى في الدنيا أي ارتفع غنى ربنا عن الاحتياج إلى الصاحبة والاستئناس بالولد كأنهم بسماع القرآن تنبهوا على خطا أهل الشرك من أهل الكتاب وغيرهم . فقوله مَا اتَّخَذَ بيان للأول . وقيل : الجد أبو الأب وإن علا فهو مجاز عن الأصل أي تعالى أصل ربنا وهو حقيقته المخصوصة عن جميع جهات التعلق بالغير قاله الإمام في التفسير الكبير . النوع الثالث مما ذكره الجن قوله وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً السفه خفة العقل ، والشطط مجاوزة الحد في الظلم وغيره ومنه أشط في السوم إذا أبعد فيه أي يقول قولا هو في نفسه شطط ، وصف بالمصدر للمبالغة . والسفيه إبليس أو غيره من مردة الجن الذين جاوزوا الحد في طرف النفي إلى أن أفضى إلى التعطيل ، أو في طرف الإثبات إلى أن أدى إلى الشريك والصاحبة والولد . الرابع وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً أي إنما أخذنا قول الغير لأنا ظننا أن لا يفتري الكذب على اللّه أحد ، فلما سمعنا القرآن عرفنا أنهم قد يكذبون . وقال جار اللّه كَذِباً صفة أي قولا مكذوبا فيه ، أو مصدر لأن الكذب نوع من القول . ومن قرأ بالتشديد وضع كَذِباً موضع تقولا ولم يجعله صفة لأن التقول لا يكون إلا كذبا . قال بعض العلماء : فيه ذم لطريقة أهل الطريق وحث على الاستدلال والنظر . الخامس وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ الآية . قال جمهور المفسرين : كان الرجل في الجاهلية إذا سافر فأمسى في واد قفر خاف على نفسه قال : أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه يريد الجن وكبيرهم فيبيت في جوار منهم حتى يصبح . وقال آخرون : إذا قحطوا بعثوا رائدهم فإذا وجد مكانا فيه كلأ وماء رجع إلى أهله فسار بهم ، فإذا انتهوا إلى تلك الأرض نادوا نعوذ برب هذا الوادي أن يصيبنا آفة يعنون الجن فإن لم يفزعهم أحد نزلوا وربما أفزعهم الجن فهربوا . وقيل : المراد أنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الإنس أيضا لكن من شر الجن كأن يقول مثلا : أعوذ برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من شر جن هذا الوادي . وإنما ذهبوا إلى هذا التأويل ظنا منهم بأن الرجل اسم الإنس لا اسم الجن ، وضعف بأنه لم يقم دليل
--> ( 1 ) رواه البخاري في كتاب الأذان باب 155 . مسلم في كتاب الصلاة حديث 194 أبو داود في كتاب الصلاة باب 140 . الترمذي في كتاب الصلاة باب 108 . النسائي في كتاب التطبيق باب 295 . ( 2 ) رواه البخاري في كتاب الرقاق باب 51 . مسلم في كتاب الذكر حديث 93 .