حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
277
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
الشديد هو عذاب القبر ، والعذاب المهين الذي يجيء عقيبه هو عذاب الآخرة . وقيل : الكل عذاب الآخرة لقوله الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ [ النحل : 88 ] قال جار اللّه : معنى قوله إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ إنهم كانوا في الزمان الماضي المتطاول مصرين على سوء العمل ، أو هي حكاية ما يقال لهم في الآخرة . ومعنى الفاء في فَصَدُّوا أنهم حين دخلوا في حماية الايمان بالأيمان الكاذبة وأمنوا على النفس والمال اشتغلوا بصدّ الناس عن الدخول في الإسلام بإلقاء الشبهات وتقبيح حال المسلمين . ويروى أن رجلا منهم قال : لننصرن يوم القيامة بأنفسنا وأموالنا وأولادنا فنزل لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ الآية . ثم أخبر عن حالهم العجيبة الشأن وهو أنهم يحلفون يوم المحشر لعلام الغيوب كما يحلفون لكم في الدنيا وأنتم بشر يخفى عليكم السرائر وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ من النفع . والمراد أنهم كما عاشوا على النفاق والحلف الكاذب يموتون ويبعثون على ذلك الوصف . قال القاضي والجبائي : إن أهل الآخرة لا يكذبون . ومعنى الآية أنهم يحلفون في الآخرة إنا ما كنا كافرين عند أنفسنا . وقوله أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ في الدنيا . ولا يخفى ما في هذا التأويل من التعسف وقد مر البحث في قوله وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [ الأنعام : 23 ] ثم بين أن الشيطان هو الذي زين لهم ذلك . ومعنى استحوذ استولى وغلب ومنه قول عائشة في حق عمر : كان أحوذيا أي سائسا غالبا على الأمور وهو أحد ما جاء على الأصل نحو « استصوب واستنوق » احتج القاضي به في خلق الأعمال بأن ذلك النسيان لو حصل بخلق اللّه لكانت إضافتها إلى الشيطان كذبا ، ولكانوا كالمؤمنين في كونهم حزب اللّه لا حزب الشيطان . والجواب ظاهر مما سلف مرارا فإن الكلام في الانتهاء لا في الوسط . قوله أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ قال أهل المعنى : إن ذل أحد الخصمين تابع لعز الخصم الآخر . ولما كانت عزة أولياء اللّه تعالى غير متناهية فذل أعدائه لا نهاية له فهم إذن أذل خلق اللّه . ثم قرر سبب ذلهم بقوله كَتَبَ اللَّهُ في اللوح لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إما بالحجة وحدها أو بها وبالسيف . قال مقاتل : إن المسلمين قالوا : إنا لنرجو أن يظهرنا اللّه على فارس والروم . فقال عبد اللّه بن أبيّ : أتظنون أن فارس والروم كبعض القرى التي غلبتموهم عليها ؟ كلا واللّه إنهم أكثر عددا وعدّة فنزلت الآية . ثم بين أن الجمع بين الإيمان الخالص وموادّة من حادّ اللّه ورسوله غير ممكن ولو كان المحادّون بعض الأقربين . وقال جار اللّه : هذا من باب التمثيل والغرض أنه لا ينبغي أن يكون وحقه أن يمتنع ولا يوجد . قلت : لو اعتبر كل من الأمرين من حيث الحقيقة كان بينهما أشد التباين ولا حاجة إلى هذا التكلف إلا أن يحمل