حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
273
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
وكانوا على هذين العددين فحص صورة الواقعة بالذكر . عن ابن عباس أن ربيعة وحبيبا ابني عمرو وصفوان بن أمية كانوا يوما ما يتحدثون فقال أحدهم : أترى أن اللّه يعلم ما نقول . فقال الآخر : يعلم بعضا ولا يعلم بعضا . وقال الثالث : إن كان يعلم بعضا فهو يعلم كله فنزلت . قالت جماعة : الحق مع الثالث فلعل الآخر كان فلسفي الاعتقاد القائل بأنه تعالى يعلم الكليات دون الجزئيات . ثانيها أن العدد الفرد أشرف من الزوج لأن اللّه تعالى وتر ولأن الزوج يحتاج إلى الوتر دون العكس كالواحد . وثالثها أن المتشاورين الاثنين كالمتنازعين في النفي والإثبات ، والثالث كالمتوسط الحكم وهكذا في كل زوج اجتمعوا للمشاورة فلا بد فيهم من واحد يكون حكما فذكر سبحانه الفردين الأولين تنبيها على الأفراد الباقية . ورابعها أن هذا إشارة إلى كمال المرحمة ، وذلك أن الثلاثة إذا أخذ اثنان منهم في التناجي والمسارّة بقي الواحد ضائعا وحيدا فيضيق قلبه فيقول اللّه تعالى : أنا جليسك وأنيسك . وكذا الخمسة إذا اجتمع اثنان اثنان منهم بقي الخامس فريدا فنفس اللّه تعالى عنه ببشارة المعية . وهذا التأويل لا يتأتى في الاثنين والأربعة فأهمل ذكرهما . وفيه أن من انقطع عن الخلق لم يتركه اللّه ضائعا . وخامسها وهو من السوانح . أنه سبحانه لما أراد تكميل الكلام بقوله وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ لم يكن بد من الابتداء بالثلاثة مع أنها عدد أكثري في التشاور ، ثم بالخمسة ليكون لكل من العددين طرفا قلة وكثرة . وفيه أيضا من الفصاحة أنه لم يقع حروف الأربعة مكررا إذ لو قال « ولا أربعة إلا وهو خامسهم » على ما وقع في مصحف عبد اللّه لكان في ذكر الرابع والأربعة شبه تكرار . ولعل في الآية إشارة إلى أن التناجي لا ينبغي أن يكون إلا بين اثنين إلى ستة لتكون الزيادة على الخمسة بقدر احتمال النقصان على الثلاثة ، ويعضده ما روي أن عمر بن الخطاب ترك الأمر شورى بين ستة ولم يتجاوز بها إلى سابع ، وهذه من نكت القرآن زادنا اللّه اطلاعا عليها . قال أكثر المفسرين : كانت اليهود والمنافقون يتناجون فيما بينهم ويتغامزون بأعينهم إذا رأوا المؤمنين يريدون بذلك غيظهم ، فنهاهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن ذلك فعادوا لمثله وكان تناجيهم بما هو إثم وعدوان للمؤمنين وتواص بمخالفة الرسول صلى اللّه عليه وسلم فنزل أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ الآية منهم من قال : هم المنافقون ومنهم من قال : فريق من الكفار . والأول أقرب بدليل قوله وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ وذلك أنهم كانوا يقولون « السام عليك يا محمد » واللّه تعالى يقول وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى [ النمل : 59 ] و « يا أيها الرسول » و « يا أيها النبي » . وحديث عائشة مع اليهود في هذا المعنى مذكور مع شهرته وكانوا يقولون : ما له إن كان نبيا لا يدعو علينا حتى يعذبنا اللّه بما نقول ، فأجاب اللّه تعالى عن قولهم بأن جهنم تكفيهم . قال أبو علي : التناجي والانتجاء بمعنى نحو اجتوروا واعتوروا في معنى تجاوروا وتعاوروا . ثم نهى المؤمنين عن