حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

186

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

بعد قطع التعلق آثار الإحسان ونتيجته . وقوله ما آتاهُمْ على المضي لتحقق الإيتاء مثل وَنادى [ الأعراف : 38 ] وَسِيقَ [ الزمر : 72 ] وقال أهل العرفان : ما آتاهم في الأزل يأخذون نتائجه في الأبد . ثم فسر إحسانهم بقوله كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ « ما » صلة أي كانوا ينامون في طائفة قليلة من الليل أو يهجعون هجوعا قليلا . وجوز أن تكون ما مصدرية أو موصولة . وارتفع « ما » مع الفعل على أنه فاعل قليلا من الليل هجوعهم أو الذي يهجعون فيه . وفيه أصناف من المبالغة من جهة لفظ الهجوع وهو النوم اليسير ، ومن جهة لفظ القلة ، ومن جهة التقييد بالليل لأنه وقت الاستراحة فقلة النوم فيه أغرب منها في النهار ، ومن جهة ما المزيدة على قول . ولا يجوز أن تكون « ما » نافية لأن ما بعدها لا يعمل فيما قبلها . وصفهم بأنهم يحيون أكثر الليل متهجدين فإذا أسحروا أخذوا في الاستغفار وكأنهم باتوا في معصية الملك الجبار . وهذا سيرة الكريم يأتي بأبلغ وجوه الكرم . ثم يستقله ويعتذر ، واللئيم بالعكس يأتي بأقل شيء ثم يمن به ويستكثر . ومثله المطيع يأتي بغاية مجهوده من الخدمة ثم ينسب نفسه إلى التقصير فيستغفر . ويمكن أن يقال : إنهم يستغفرون من الهجوع كأنهم أرادوا أن يقوموا على إحياء الليل كله . ويجوز أن يكون الاستغفار بمعنى الصلاة لقوله بعده فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ فيكون كقوله يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ [ البقرة : 3 ] ووجه أغرب وهو أن يكون السين في استغفر مثله في استحصد الزرع أي حان أن يحصد فكأن وقت السحر وهو الأولى بحصول المغفرة . قال جار اللّه : في قوله هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ إشارة إلى أنهم هم المستغفرون الأحقاء بالاستغفار دون المصرين . وقيل : إبراز الضمير لدفع وهم من يظن أن التقدير وبالأسحار قليلا يستغفرون على قياس الفعل السابق . وحيث ذكر جدهم في التعظيم لأمر اللّه أردفه بذكر شفقتهم على خلق اللّه . والمشهور في الحق أنه القدر الذي علم إخراجه من المال شرعا وهو الزكاة قيل : إنه على هذا لم يكن صفة مدح لأن كل مسلم كذلك بل كل كافر وذلك إذا قلنا إنه مخاطب بالفروع إلا أنه إذا سلم سقط عنه . وأجيب بأن السائل من له الطلب شرعا . والمحروم من الحرمة وهو الذي منع الطلب فكأنه قيل : في أموالهم حق للطالب - وهو الزكاة - ولغير الطالب وهو الصدقة المتطوع بها التي تتعلق بفرض صاحب المال وإقراره وليس عليه فيها مطالبة . ويمكن أن يقال : أراد في أموالهم حق في اعتقادهم وسيرتهم كأنهم أوجبوا على أنفسهم أن يعطوا من المال حقا معلوما وإن لم يوجبه الشرع . وفي السائل والمحروم وجوه أحدها ما مر . الثاني السائل هو الناطق والمحروم كل ذي روح غيره من الحيوان كما قال صلى اللّه عليه وسلم « لكل كبد حرى