حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
174
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
بالموت ويدفن في الأرض منهم . وَعِنْدَنا كِتابٌ هو اللوح المحفوظ من التغيير ومن الشياطين . ثم أتبع الإضراب الأول إضرابا آخر فقال بَلْ كَذَّبُوا والمقصود أن تكذيبهم بِالْحَقِّ الذي هو محمد أو القرآن أو الأخبار بالبعث في أوّل وهلة من غير تدبر أفظع من تعجبهم . والمريج أمر دينهم المضطرب المخلوط بالشبهات والشكوك ولهذا نسبوا القرآن تارة إلى السحر وأخرى إلى الشعر أو الكهانة وقالوا في حق محمد صلى اللّه عليه وسلم مثل ذلك . ثم استدل على حقية المبدأ والمعاد بوجوه أخر : منها بناء السماء ورفعها بلا عمد ولا فروج أي شقوق وفتوق ولكنها صحيحة الاستدارة من جميع الجوانب . وليس في الآية دلالة على امتناع الخرق على السماء لأن الإخبار عن عدم الوقوع لا ينافي إمكانه . نعم إنه مناف لوجود نحو الأبواب فيها ظاهرا اللهم إلا أن تدعي المغايرة بين الفروج والأبواب . وفي قوله فَوْقَهُمْ مزيد توبيخ لهم ونداء عليهم بغاية الغباوة . ومنها مدّ الأرض أي دحوها . ومنها خلق الجبال الرواسخ . ومنها خلق أصناف النبات مما يبتهج به ويروق الناظر لخضرته ونضرته كل ذلك ليتبصر به ويتذكر من يرجع إلى ربه ويفكر في بدائع المخلوقات ويرتقي إلى الصانع من المصنوعات . ومنها إنزال ماء المطر الكثير المنافع المنبت للجنات والحبات . والحصيد صفة موصوف محذوف أي وحب الزرع الذي من شأنه أن يحصد كالحنطة وغيرها من الأقوات ونحوها . والباسقات التي طالت في السماء ، والطلع أوّل ما يبدو من ثمر النخيل ، والنضيد الذي نضد بعضه فوق بعض ، والمراد كثرة الطلع وتراكمه المستتبع لكثرة الثمر . ثم شبه بإحياء الأرض خروج الموتى كما قال في الروم وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ [ الآية : 19 ] ثم هدّدهم بأحوال الأمم السالفة وقد مر قصصهم مرارا . وأما حديث أصحاب الرس فلم يذكر إلا في « الفرقان » وحديث تبع في « الدخان » . وأراد بفرعون قومه لأن المعطوف عليه أقوام فَحَقَّ وَعِيدِ مثل فَحَقَّ عِقابِ [ ص : 14 ] وفيه تسلية للنبي صلى اللّه عليه وسلم . ثم دل على الحشر بضرب آخر من البيان وهو أن الذي لم يعي أي لم يعجز عن الخلق الأول بالنسبة إلى أيّ مخلوق فرض كيف يعجز عن الإعادة ؟ واللبس الخلط والشبهة ، وتنكير اللبس والخلق الجديد للتعظيم أي لبس عظيم ، وخلق له شأن وحق عليه أن يهتم به ولا يغفل عنه . ثم شرع في تقرير خلق الإنسان الدال على شمول علم اللّه سبحانه وعظيم قدرته على بدئه وإعادته . والوسوسة الصوت الخفي . والباء في بِهِ للتعدية و « ما » مصدرية أي نعلم جعل نفسه إياه موسوسا . والقرب مجاز عن العلم التام كقولهم « هو منى مقعد القابلة ومعقد الإزار » وما في الآية أدل على الإفراط في القرب لأن الوريد جزء من بدن الإنسان