حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
169
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
عليه ، ولهذا قال خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ [ الأنعام : 1 ] وقال في الآية خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ ولكنه قال في موضع آخر وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] فبين أن الأصل في الخلق والغرض الأقدم هو العبادة ليعلم منه أن اعتبار النسب وغيره مؤخر عن اعتبار العبادة فلهذا قال إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ وفيه معنيان : أحدهما أن التقوى تفيد الإكرام عند اللّه . والثاني أن الإكرام في حكم اللّه يورث التقوى والأول أشهر كما يقال « ألذ الأطعمة أحلاها » أي اللذة بقدر الحلاوة لا أن الحلاوة بقدر اللذة . عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه طاف يوم فتح مكة فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال « الحمد للّه الذي أذهب عنكم عيبة الجاهلية وتكبرها . يا أيها الناس إنما الناس رجلان : مؤمن تقي كريم على اللّه وفاجر شقي هين على اللّه ثم قرأ الآية » وعنه صلى اللّه عليه وسلم « من سره أن يكون أكرم الناس فليتق اللّه » « 1 » قال ابن عباس : كرم الدنيا الغنى وكرم الآخرة التقوى . إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بظواهركم خَبِيرٌ ببواطنكم وحق مثله أن يخشى ويتقى . وحين حث عموم الناس على تقواه وبخ من في إيمانه ضعف . قال ابن عباس : إن نفرا من بني أسد قدموا المدينة في سنة جدبة وأظهروا الشهادتين ولم يكونوا مؤمنين في السر ، وأفسدوا طريق المدينة بالقذرات ، وأغلوا أسعارها وكانوا يقولون لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أتيناك بالأثقال والعيال ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان فأعطنا من الصدقة ، وجعلوا يمنون عليه فأنزل اللّه هذه الآيات . أي قالوا آمنا بشرائطه فأطلع اللّه نبيه على مكنون ضمائرهم وقال : لن تؤمنوا إيمانا حقيقيا وهو الذي وافق القلب فيه اللسان . وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا يعني إسلاما لغويا وهو الخضوع والانقياد خوفا من القتل ودخولا في زمرة أهل الإيمان والسلم . ثم أكد النفي المذكور بقوله وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وفيه فائدة زائدة هي أن يعلم أن الإيمان متوقع منهم لأن « لما » حرف فيه توقع وانتظار . ثم حثهم على الطاعة بقوله وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ أي لا ينقصكم مِنْ ثواب أَعْمالِكُمْ شَيْئاً يعني الثواب المضاعف الموعود في نحو قوله مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها [ الأنعام : 160 ] ألت يألت بالهمز إذا نقص وهي لغة غطفان . يقال ألته السلطان حقه أشدّ الألت . ولغة أسد وأهل الحجاز لاته ليتا . وقال قطرب : ولته يلته بمعنى صرفه عن وجهه . فيكون يَلِتْكُمْ على وزن « يعدكم » ، وعلى الوجه المتقدم على وزن « يبعكم » . إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لمن تاب وأخلص نيته . ثم وصف المؤمنين المحقين بقوله إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ ومعنى « ثم » في قوله ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا كما في قوله رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا [ فصلت : 30 ] وارتاب مطاوع رابه
--> ( 1 ) رواه أحمد في مسنده ( 2 / 524 )