حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

166

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

بعد الشيخوخة » أي معها . وثانيها بئس الذكر أن يذكروا الرجل بالفسق أو باليهودية بعد إيمانه ، وكانوا يقولون لمن أسلم من اليهود يا يهودي يا فاسق فنهوا عنه . وثالثها أن يجعل الفاسق غير مؤمن كما يقال للمتحوّل عن التجارة إلى الفلاحة « بئست الحرفة الفلاحة بعد التجارة » فمعنى بعد الإيمان بدلا عن الإيمان وَمَنْ لَمْ يَتُبْ عما نهي عنه فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ لأن الإصرار على المنهي كفر إذ جعل المنهي . كالمأمور فوضع الشيء في غير موضعه قوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ فيه تأديب آخر . ومعنى اجتنبوا كونوا منه في جانب . وإنما قال كَثِيراً ولم يقل الظن مطلقا لأن منه ما هو واجب كحسن الظن باللّه وبالمؤمنين كما جاء في الحديث القدسي « أنا عند ظن عبدي بي » « 1 » قال النبي صلى اللّه عليه وسلم « لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن باللّه » « 2 » وقال « إن حسن الظن من الإيمان » ومنه ما هو محظور وهو سوء الظن باللّه وبأهل الصلاح . عن النبي صلى اللّه عليه وسلم « إن اللّه حرم من المسلم دمه وعرضه وأن يظن به ظن السوء » . وهو الذي أمر في الآية باجتنابه . ومنه ما هو مندوب إليه وهو إذا كان المظنون به ظاهر الفسق وإليه الإشارة بقوله صلى اللّه عليه وسلم « من الحزم سوء الظن » وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم « احترسوا من الناس بسوء الظن » ومنه المباح كالظن في المسائل الاجتهادية . قال أهل المعاني : إنما نكر كَثِيراً ليفيد معنى البعضية المصرح بها في قوله إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ولو عرّف لأوهم أن المنهي عنه هو الظن الموصوف بالكثرة والذي يتصف بالقلة مرخص فيه . والهمزة في الإثم عوض عن الواو كأنه يثم الأعمال أي يكسرها بإحباطه . تأديب آخر وَلا تَجَسَّسُوا وقد يخص الذي بالحاء المهملة بتطلب الخبر والبحث عنه كقوله فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ [ يوسف : 87 ] فبالجيم تفعل من الجس ، وبالحاء من الحس . قال مجاهد : معناه خذوا ما ظهر ودعوا ما ستره اللّه . عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال في خطبته « يا معشر من آمن بلسانه ولم يخلص الإيمان إلى قلبه لا تتبعوا عورات المسلمين فإن من تتبع عورات المسلمين تتبع اللّه عورته حتى يفضحه ولو كان في جوف بيته » « 3 » وهذا الأدب كالسبب لما قبله . فلما نهى عن ذلك نهى عن سببه أيضا . تأديب آخر وَلا يَغْتَبْ يقال غابه واغتابه بمعنى ، والاسم الغيبة بالكسر وهي ذكر العيب بظهر الغيب ، وسئل

--> ( 1 ) رواه البخاري في كتاب التوحيد باب 15 ، 35 مسلم في كتاب التوبة حديث 1 الترمذي في كتاب الزهد باب 51 ابن ماجة في كتاب الأدب باب 58 الدارمي في كتاب الرقاق باب 22 أحمد في مسنده ( 2 / 251 ، 315 ) ( 2 ) رواه مسلم في كتاب الجنة حديث 81 - 82 أبو داود في كتاب الجنائز باب 13 ابن ماجة في كتاب الزهد باب 14 أحمد في مسنده ( 3 / 293 ، 315 ) ( 3 ) رواه أحمد في مسنده ( 4 / 421 ، 424 )