حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

14

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

الذي هو أشرف مراتب الإنسانية وأقربها من اللّه إذا بدل بضدّه الذي هو البعد عن الحضرة الإلهية لم يكن خسران وراء ذلك . ثم ردّه صلى اللّه عليه وسلم إلى ما هو الحق الثابت في نفس الأمر وهو تخصيص اللّه بالعبادة فقال بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ على ذلك لأن توفيق العبادة منه وحده ولذا جعله مظهر اللطف حتى صار سيد ولد آدم . ثم بين أنهم لما جعلوا هذه الأشياء الخسيسة مشاركة في العبادة ما عرفوا اللّه حق معرفته وقد مر في « الأنعام » و « الحج » . ثم أردفه بما يدل على كمال عظمته قائلا وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ قال جار اللّه : الغرض من هذا الكلام إذا أخذته كما هو بجملته تصوير عظمته والتوقيف على كنه جلاله من غير ذهاب بالقبضة واليمين إلى جهة حقيقة أو إلى جهة مجاز . وكذلك حكم ما يروى عن عبد اللّه بن مسعود أن رجلا من أهل الكتاب جاء إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا أبا القاسم ، إن اللّه يمسك السماوات يوم القيامة على إصبع ، والأرضين على إصبع ، والجبال على إصبع ، والشجر على إصبع ، والثرى على إصبع ، وسائر الخلق على إصبع ، ثم يهزهن فيقول : أنا الملك . فضحك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تعجبا مما قال وأنزل اللّه الآية تصديقا له . وقال جار اللّه : وإنما ضحك أفصح العرب وتعجب لأنه لم يفهم منه إلا ما يفهمه علماء البيان من غير تصور إمساك ولا إصبع ولا هز ولا شيء من غير ذلك ، ولكن فهمه وقع أول شيء وآخره على الزبدة والخلاصة التي هي الدلالة على القدرة الباهرة ، وأن الأفعال العظام التي لا تكتنهها الأوهام هينة عليه ، ثم ذكر كلاما آخر طويلا . واعترض عليه الإمام فخر الدين الرازي بأن هذا الكلام الطويل لا طائل تحته لأنه هل يسلم أن الأصل في الكلام حمله على حقيقته أم لا . وعلى الثاني يلزم خروج القرآن بكليته عن كونه حجة فإن لكل أحد حينئذ أن يؤوّل الآية بما شاء . وعلى الأول وهو الذي عليه الجمهور يلزمه بيان أنه لا يمكن حمل اللفظ الفلاني على معناه الحقيقي لتعين المصير إلى التأويل . ثم إن كان هناك مجازان وجب إقامة الدليل على تعيين أحدهما ، ففي هذه الصورة لا شك أن لفظ القبضة واليمين مشعر بهذه الجوارح إلا أن الدلائل العقلية قامت على امتناع الأعضاء والجوارح للّه تعالى فوجب المصير إلى التأويل صونا للنص عن التعطيل . ولا تأويل إلا أن يقال : المراد كونها تحت تدبيره وتسخيره كما يقال : فلان في قبضة فلان . وقال تعالى وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ [ الأحزاب : 50 ] ويقال : هذه الدار في يد فلان ويمينه ، وفلان صاحب اليد . وأنا أقول : هذا الذي ذكره الإمام طريق أصولي ، والذي ذكره جار اللّه طريق بياني ، وأنهم يحيلون كثيرا من المسائل إلى الذوق فلا منافاة بينهما . ولا يرد اعتراض الإمام وتشنيعه وقد مر لنا في هذا