حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
120
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
أنواع الاستقامة كان هو الشفقة على خلق اللّه ولا سيما على الوالدين فلذلك قال وَوَصَّيْنَا الآية . وقد مرّ في « الروم » و « لقمان » . والكره بالضم ، والفتح المشقة أي ذات كره أو حملا ذاكره . والفصل والفصال كالفطم والفطام بناء ومعنى ، والمقصود بيان مدّة الرضاع . ولما كان منتهيا بالفصال صح التعبير عن آخر الرضاع بالفصال ، والفائدة فيه الدلالة على الرضاع التام المنتهي بالفصال . وقد يستدل من هذه الآية ومن قوله وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ [ البقرة : 233 ] أن مدة الحمل ستة أشهر . وعن عمر أن امرأة ولدت لستة أشهر فرفعت إليه فأمر برجمها ، فأخبر عليا رضى اللّه عنه بذلك فمنعه محتجا بالآية فصدّقه عمر وقال : لولا علىّ لهلك عمر . قال جالينوس : إني كنت شديد الفحص عن مقادير أزمنة الحمل فرأيت امرأة ولدت في المائة والأربع والثمانين ليلة . وزعم أبو علي بن سينا أنه شاهد ذلك . وذكر أهل التجارب قاعدة كلية قالوا : إن لتكوّن الجنين زمانا مقدّرا ، فإذا تضاعف ذلك الزمان تحرك الجنين ، ثم إذا انضاف إلى المجموع مثلاه انفصل الجنين . وعلى هذا فلو تمت خلقة الجنين في ثلاثين يوما فإذا أتى عليه مثل ذلك أي تصير مدة علوقه ستين تحرك ، فإذا انضاف إلى هذا المقدار مثلاه وهو مائة وعشرون وصار المبلغ مائة وثمانين انفصل ، ولو تمت خلقته في خمسة وثلاثين يوما تحرك في سبعين وانفصل في مائتين وعشرة وهو سبعة أشهر ، ولو تمت خلقته في أربعين تحرك في ثمانين وانفصل في مائتين وأربعين وهو ثمانية أشهر ، وقلما يعيش هذا المولود إلا في بلاد معينة مثل مصر ، وقد مرّ هذا المعنى في هذا الكتاب . ولو تمت في خمسة وأربعين تحرك في تسعين وانفصل في مائتين وسبعين وهي تسعة أشهر وهو الأكثر ، أما أكثر مدّة الحمل فليس يعرف له دليل من القرآن . وذكر أبو علي بن سينا في كتاب الحيوان من الشفاء في الفصل السادس من المقالة التاسعة ، أن امرأة ولدت بعد الرابع من سني الحمل ولدا قد نبتت أسنانه وعاش . وعن أرسطاطاليس أن زمان الولادة لكل الحيوان مضبوط سوى الإنسان . هذا وقد روى الواحدي في البسيط عن عكرمة أنه قال : إذا حملت تسعة أشهر أرضعته أحدا وعشرين شهرا . وعلى هذا قوله حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ أكثر المفسرين كما مر في آخر « الأنعام » وأوّل « يوسف » و « القصص » . على أن وقت الأشد هو زمان الوصول إلى آخر سن النشوء والنماء وهو ثلاث وثلاثون سنة تقريبا ، وإن في الأربعين يتم الشباب وتأخذ القوى الطبيعية والحيوانية في الانتقاص ، والقوّة العقلية والنطقية في الاستكمال ، وهذا أحد ما يدل على أن النفس غير البدن ومن جملة الكمال أنه حينئذ يقول رَبِّ أَوْزِعْنِي أي ألهمني ووفقني كما مر في « النمل » .